امرأةٌ شابّة في الخامسة والثلاثين من عمرها، هي ألفيرا، أو فيرا كما اعتاد الجميع مناداتها. أمٌّ لطفلَيْن توأمَيْن بلغا العاشرة من العمر. كانت فيرا في تلك اللحظة منهمكةً في تثبيت شريطة على شعر ابنتها كنزة.
كنزة أثاليا وديماس أنغارا، هذان هما توأما فيرا. وكان كلاهما يدرسان في واحدة من أرقى المدارس الخاصّة في العاصمة.
«ماما، ديماس جاهز!» ظهر ديماس عند باب غرفة أخته التوأم وقد ارتدى زيّه المدرسيّ بأناقة تامّة.
«ما شاء الله، ابني شاطر جدًّا، صرتَ تستعدّ وحدك!» أثنت فيرا على ابنها.
«طبعًا يا ماما، لستُ مثل كنزة الصغيرة. مدلّلة جدًّا، كلّ يوم تطلب من ماما أن تجهّزها!» ربّت ديماس على صدره بفخر.
«أنا أيضًا أستعدّ بنفسي، ماما لا تساعدني. لكنّني فقط لا أستطيع تثبيت الشريطة وحدي!» بدت كنزة منزعجةً من كلام أخيها التوأم.
«كفى كفى، لا تتشاجرا. أولادي كلّهم شاطرون. هيّا بنا نتناول الفطور، بابا حتمًا ينتظرنا على مائدة الطعام!» أمسكت فيرا بيدَيْ طفلَيْها التوأمَيْن، واحدًا عن يمينها والآخر عن شمالها.
هكذا كانت الحياة اليوميّة في ذلك البيت؛ التوأمان كانا دائمَي الشجار، لكن سرعان ما يعودان إلى الوئام.
«صباح الخير يا بابا!» صاح التوأمان في آنٍ واحد.
«صباح الخير يا أحبابي!» أجاب بايو، زوج ألفيرا وأبو التوأمَيْن، مرحّبًا بهما.
راحت فيرا بخفّة ونشاط تخدم طفلَيْها وزوجها على مائدة الفطور، وكان الدفء يغمر ذلك البيت كلّ صباح.
«بابا، هذا الصباح أنتَ الذي ستوصلنا إلى المدرسة!» طلبت كنزة فجأةً أن يوصلها أبوها.
«لا أستطيع يا حبيبتي، عندي اجتماع مهمّ هذا الصباح. اذهبا إلى المدرسة مع ماما!» رفض بايو طلب ابنته.
«آه يا بابا، لماذا هكذا؟ في مدرستنا هناك حملة اسمها حملة «أبي يوصلني إلى المدرسة». أريد أن أكون مثل صديقاتي اللواتي يوصلهنّ آباؤهنّ!» بدت كنزة عابسةً من رفض أبيها.
«لا بأس يا حبيبتي، اذهبي مع ماما. بابا عنده عمل!» حاولت فيرا إقناع ابنتها كي تكفّ عن العبوس.
«صحيح يا كنزة، في مرّة أخرى نطلب من بابا أن يوصلنا!» شارك ديماس أيضًا في تهدئة أخته التوأم.
«بابا سيذهب أوّلًا، عندي اجتماع مهمّ هذا الصباح. مع السلامة يا أحبابي!» نهض بايو بعد أن أنهى فطوره مسرعًا، وتناول حقيبة عمله ولوّح بيده لطفلَيْه اللذين كانا لا يزالان يأكلان.
مشت فيرا مع زوجها حتى باب البيت، ولم تنسَ أن تقبّل يده باحترام.
«سامحيني يا فيرا، لم أستطع تلبية طلب الأولاد. عندي اجتماع مهمّ هذا الصباح!» شرح بايو سبب رفضه لزوجته.
«لا بأس يا بايو، الأولاد سيتفهّمون!» ابتسمت فيرا لزوجها.
«حسنًا، أنا ذاهب!» استقلّ بايو سيّارته وانطلق مغادرًا باحة المنزل.
عادت فيرا مسرعةً إلى مائدة الطعام، فوجدت الطفلَيْن قد انتهيا من فطورهما.
«هذا طعامكما يا حبيبَيّ!» سلّمت فيرا علبتَيْ طعام لطفلَيْها.
علبة طعام عليها رسم شخصيّة إلسا من فروزن، وهي لكنزة، وعلبة ملوّنة عليها رسم سوبرمان، وهي للأخ الأكبر ديماس.
«هيّا يا حبيبَيّ، لننطلق الآن!» خرج الثلاثة ممسكين بأيدي بعضهم من غرفة الطعام وعلى وجوههم بهجةٌ غامرة.
قادت فيرا سيّارتها بسرعة معتدلة نحو مدرسة طفلَيْها، وبدا التوأمان في غاية السعادة. يبدو أنّ كنزة نسيت رغبتها في أن يوصلها أبوها.
«وصلنا!» قالت فيرا وهي توقف السيّارة أمام بوّابة المدرسة.
فتحت فيرا الباب فنزل التوأمان على الفور، قبّلت جبينَيْهما وقبّلا يدها باحترام، ثمّ هُرعا إلى الداخل عبر البوّابة المفتوحة على مصراعَيْها.
«مع السلامة يا حبيبَيّ!» لوّحت فيرا بيدها لطفلَيْها اللذين دخلا المبنى.
بعد أن تأكّدت من أنّهما دخلا، انصرفت فيرا من المكان. وحين مرّت بعربة بائع شوربة الدجاج، تذكّرت حماتها فجأة.
سيّدة سعاد، أمّ بايو، كانت تعشق شوربة الدجاج على الفطور. فنوت فيرا أن تمرّ على بيت حماتها وتحمل معها شوربة الدجاج المفضّلة لديها.
حدّثت فيرا نفسها وهي توقف سيّارتها أمام بائع شوربة الدجاج: مضى وقت طويل لم أزر أمّ بايو، سأمرّ عليها الآن وأحمل معي فطورًا لها ولريّا!
«يا عمّ، حصّتين من الشوربة، للأخذ من فضلك!» طلبت فيرا حصّتين لحماتها وأخت زوجها.
«حاضر يا سيّدتي، لحظة واحدة!» ابتسم البائع لفيرا بودّ.
بينما كانت تنتظر البائع وهو يجهّز طلبها، اشترت فيرا عدّة علب من الحلويات لتأخذها إلى بيت حماتها. وصادف أنّ بجوار بائع الشوربة شخصًا يبيع أنواعًا مختلفة من الحلويات.
«تفضّلي يا سيّدتي، طلبُكِ جاهز!» ناولها البائع طلبها.
«شكرًا يا عمّ، احتفظ بالباقي لك!» قالت فيرا مبتسمةً وهي تناوله ورقةً نقديّةً كبيرة.
«شكرًا جزيلًا يا سيّدتي، ربّنا يوسّع رزقك!» دعا لها البائع بصدق.
انطلقت فيرا بسيّارتها نحو بيت حماتها، ولم يمضِ وقت طويل حتى وصلت.
لكنّ شيئًا غريبًا أثار حيرتها؛ كانت هناك خيمة تشبه خيام الأعراس منصوبةً أمام بيت حماتها.
«ما هذه المناسبة في بيت أمّ بايو؟ لماذا لا أعلم بها؟» عقدت فيرا حاجبَيْها في استغراب.
ركنت فيرا سيّارتها في أرض فضاء قريبة من بيت سيّدة سعاد، ومشت على قدمَيْها نحو بيت حماتها.
كانت هناك أقواس الزينة وأكاليل الزهور تتقوّس عند المدخل، دلالةً واضحة على أنّ حفل زفاف يُقام في بيت حماتها، لكنّ فيرا لم تكن تعلم زفاف مَن.
«هل يُعقل أنّه زفاف ريّا؟ لماذا لم تخبرني أمّ بايو؟» تساءلت فيرا في دهشة.
حين دخلت باحة بيت حماتها، استقبلها بضعة أشخاص، لكنّهم على ما يبدو لم يتعرّفوا عليها بوصفها كنّة سيّدة سعاد.
«عفوًا، ما المناسبة هنا؟» سألت فيرا رجلًا في منتصف العمر بدا وكأنّه يستقبل الضيوف.
«حفل زفاف ابن سيّدة سعاد يا سيّدتي!» أجاب الرجل باختصار.
«تقصد ريّا؟» سألت فيرا بفضول.
«لا يا سيّدتي، الذي يتزوّج هو ابنها، بايو!» أوضح الرجل.
تسمّرت فيرا في مكانها مصدومة. بايو متزوّج بالفعل وله أطفال، فكيف يتزوّج مرّة أخرى؟ لم تصدّق ما سمعته من ذلك الرجل.
لم تُصدّق ألفيرا ما قاله ذلك الرجل الكهل، فأسرعت بخطواتها نحو باب بيت سيّدة سعاد المفتوح على مصراعيه.
كان في الداخل جمعٌ غفير من الناس، كأنّما هناك حفل عقد نكاح. وحين بلغت ألفيرا عتبة الباب، لم يلحظ أحدٌ من الحاضرين وجودها، إذ كانت مراسم عقد النكاح قائمة.
دوّى صوت بايو جهيرًا وهو يتلفّظ بصيغة عقد النكاح باسم امرأةٍ أخرى، فارتجفت ألفيرا من هول الصدمة؛ كان ما قاله ذلك الرجل عند المدخل صحيحًا. العريس هو بايو، زوجها.
«صحّ!»
«صحّ!»
«صحّ!»
انطلقت أصوات الشهود مدوّيةً بكلمة «صحّ»، فكانت على ألفيرا كصاعقةٍ في رابعة النهار. رأت بأمّ عينيها زوجها يعقد قرانه على امرأةٍ أخرى، فتحطّم قلبها وانسحق انسحاقًا.
ظلّت ألفيرا واقفةً كالصنم أمام باب بيت حماتها، وبدت سيّدة سعاد في غاية السعادة. لم تُدرك سيّدة سعاد ولا بايو أنّ ألفيرا كانت هناك. شعرت ألفيرا بأنّ الدنيا قد انهارت من حولها؛ الرجل الذي تلفّظ بالإيجاب والقبول باسمها قبل أحد عشر عامًا، ها هو ذا يُعيد الإيجاب والقبول باسم امرأةٍ غيرها.
وفجأةً جاء شخصٌ وجذب ألفيرا بعيدًا من هناك. كانت لا تزال غارقةً في الذهول والصدمة فلم تستطع أن تفعل شيئًا سوى الصمت والانقياد. أُخرجت من ساحة بيت سيّدة سعاد.
«عفوًا سيّدتي ألفيرا، سامحيني إن تجاوزت حدودي!» قال الرجل الذي سحبها من هناك وهو يُفلت يدها بعد أن ابتعدا عن موقع حفل الزفاف.
«من أنت؟» سألت ألفيرا في حيرة.
«أنا تامر يا سيّدتي، أحد موظّفي بايو. أعلم أنّه كذب على جميع من في الشركة، لكنّني لم أستطع إخباركِ طوال هذه المدّة لأنّني لم أحظَ بفرصة لقائكِ من قبل. والآن لم أكن أتوقّع أن ألقاكِ هنا!» أطرق الرجل الذي عرّف نفسه بتامر برأسه أمام ألفيرا.
«ماذا تعني بأنّ بايو كذب على جميع من في الشركة؟» سألت ألفيرا بفضول.
«أخبر بايو الجميع بأنّكِ مريضةٌ مرضًا شديدًا، وأنّكِ أنتِ من طلبتِ منه أن يتزوّج ميراندا، سكرتيرته!» شرح تامر الأكاذيب التي نسجها بايو في الشركة.
«أستغفر الله العظيم! كيف يقسو عليّ بايو إلى هذا الحدّ!» ضغطت ألفيرا على صدرها الذي ضاق بالألم.
«سيّدتي ألفيرا، عودي إلى الشركة أرجوكِ. إنّ ميراندا تتصرّف على هواها مع موظّفينا البسطاء، بل إنّ رواتبنا تُقتطع منها باستمرار منذ أن بدأت العمل في الشركة!» توسّل تامر إلى ألفيرا.
«حسنًا، شكرًا جزيلًا لك يا تامر. يمكنك الذهاب، سأعود إلى الشركة في أقرب وقت!» مسحت ألفيرا الدموع التي لا تزال تنهمر على خدّيها.
بعد أن انصرف تامر، عادت ألفيرا على الفور إلى سيّارتها. مدّت يدها إلى الكيس الذي يحوي شوربة الدجاج والحلوى التي اشترتها، وهمّت بالتخلّص منه.
لكنّها تراجعت فجأةً عن قرارها؛ سيكون أفضل وأكثر بركةً لو أعطته لمن يحتاج إليه. فعدلت عن نيّتها تلك، وانطلقت بسيّارتها مغادرةً بيت حماتها.
وفي الطريق، لمحت ألفيرا جامع قمامةٍ يلتقط النفايات، فتوقّفت وأخذت لفافة الحلوى وشوربة الدجاج التي اشترتها.
«يا عمّ، هذا رزقٌ قليل لك. تفضّل خُذه!» ناولت ألفيرا اللفافة لجامع القمامة.
«الحمد لله! شكرًا جزيلًا لكِ يا سيّدتي، زوجتي وأولادي لم يأكلوا بعد!» فرح الرجل فرحًا شديدًا بما أعطته إيّاه ألفيرا.
بعد ذلك أسرعت ألفيرا عائدةً إلى بيتها، وألقت بجسدها على فراشها الوثير، ثمّ انفجرت في بكاءٍ مريرٍ لا يتوقّف، تصبّ فيه كلّ أحزانها.
«لماذا قسوتَ عليّ إلى هذا الحدّ يا بايو؟ ما ذنبي يا بايو؟» بكت ألفيرا على مصيرها وقد خانها زوجها وتزوّج عليها.
وفجأةً تذكّرت ألفيرا كلام تامر؛ إذن هذا هو السبب الحقيقي وراء تأخّر بايو المتكرّر بحجّة العمل الإضافي.
«يا بايو، لن أقبل بكلّ هذا هكذا دون حساب. تلك الشركة ملك والديّ، وأنت تجرّأت على إدخال خليلتك إلى شركة أبي وأمّي. لن أدعكما تنعمان بالهناء!» نهضت ألفيرا ومسحت دموعها.
بدّلت ألفيرا ملابسها على الفور وارتدت ملابس رسمية؛ فقد مضى أكثر من عشر سنوات منذ تركت عملها كامرأة عاملة حفاظًا على كرامة زوجها. لكنّ زوجها قابلها بالخيانة، ولن تسكت بعد اليوم.
الشركة التي يديرها بايو هي شركة والدَي ألفيرا. كانت ألفيرا الابنة الصغرى، ولها أخٌ يقيم في الخارج، ولذلك أُوكلت الشركة إليها.
«تفضّل واستمتع بخليلتك يا بايو، فبعد اليوم سأُعيدك إلى إعداداتك الأصلية قبل أن تتزوّجني!» همهمت ألفيرا بغضبٍ عارم.
وبعد أن وضعت على وجهها مكياجًا خفيفًا، توجّهت ألفيرا فورًا إلى الشركة التي كان زوجها يتولّى إدارتها طوال تلك السنين. أرادت أن تستعيد زمام الأمور، فلن تقبل أن يستحوذ بايو وخليلته على ثروة والديها.
«عفوًا سيّدتي ألفيرا، بايو ليس موجودًا الآن. إنّه في اجتماعٍ خارج المكتب!» أبلغتها موظّفة الاستقبال.
«لم آتِ لمقابلة بايو، فدعيه حيث هو!» قالت ألفيرا بحزمٍ لموظّفة الاستقبال.
«حاضر يا سيّدتي، تفضّلي!» أحنت موظّفة الاستقبال رأسها.
صعدت ألفيرا مباشرةً إلى المكتب الذي كان بايو يشغله، وما إن دخلت حتّى عاودها ذلك الألم الحادّ في فم معدتها. كانت على المكتب صورةٌ لبايو وهو يحتضن سكرتيرته ميراندا بحميميّة، وفي الأدراج أغراضٌ شخصية تخصّ تلك العاهرة.
«إذن أنتما تخونانني منذ زمنٍ بعيد. لن أدعكما تأخذان ما ليس لكما. سأنتقم من كلّ ما فعلتماه دون رحمة!» همهمت ألفيرا وقد قبضت يدها بشدّة.
استدعت ألفيرا عمّال النظافة على الفور، وأمرتهم بتنظيف المكتب تنظيفًا شاملًا والتخلّص من كلّ الأغراض الشخصية العائدة لتلك العاهرة. بل أخرجت مكتب السكرتيرة الذي كان بايو قد وضعه داخل غرفته.
«بدأ انتقامي يا بايو، فاستمتعا بآخر أيّام سعادتكما!» همهمت ألفيرا وعلى شفتيها ابتسامةٌ ساخرة.
لقد عاهدت ألفيرا نفسها أنّها لن تقبل بكلّ ما حدث هكذا دون حساب. سينال بايو وميراندا جزاءهما قريبًا جدًّا.
بعد أن انتهت من إعادة ترتيب مكتبها، استدعت فيرا المدير المالي إلى مكتبها. بدا الرجل الذي أمضى عقودًا في خدمة هذه الشركة متوترًا حين وجد نفسه وجهًا لوجه مع فيرا.
«السيّد سليمان، أريد تقرير الحسابات المالية للشركة عن السنة الأخيرة بأكملها!» قالت فيرا بنبرة حازمة.
«لكن سيّدتي...!» بدا السيّد سليمان مترددًا ولم يُكمل كلامه.
«لكن ماذا يا سيّد سليمان؟ هل أنت متورّط في اختلاس الأموال الذي ارتكبه بايو؟ سأحيل هذه القضية إلى القضاء إن لم تكن صادقًا معي!» هدّدته فيرا وهي تحدّق في عينَي الرجل الذي يناهز عمر أبيها، والجالس أمامها الآن.
«سامحيني يا سيّدتي، لقد أجبرني بايو على ذلك. هدّدني بالفصل من العمل إن لم أنفّذ ما يريد!» أطرق السيّد سليمان برأسه أمام فيرا.
«الآن سلّمني التقرير المالي للشركة عن السنة الأخيرة!» كرّرت فيرا بنبرة لا تقبل المساومة.
مدّ السيّد سليمان بوجهه المتوتر ملفًّا إلى ألفيرا، ففتحته على الفور. راحت عيناها تتفحّصان بدقّة كلّ كلمة وكلّ رقم مدوّن فيه.
«منذ متى تعمل تلك المرأة المدعوّة ميراندا هنا؟» سألت فيرا وعيناها لا تزالان مثبّتتين على الأوراق التي بين يديها.
«منذ عشرة أشهر يا سيّدتي!» أجاب السيّد سليمان ورأسه مطأطأ.
تبيّن لفيرا من التقرير وجود تحويلات مالية متكرّرة بمبالغ ضخمة إلى حساب باسم بايو، وتحويلات أخرى إلى حساب ميراندا. بل إن هناك سجلًّا لدفع دفعة أولى لشراء منزل في حيّ الزهور الشهر الماضي.
فضلًا عن ذلك، وُجدت تذاكر طيران إلى بالي باسم بايو وميراندا، مع حجز فندقي لمدة أسبوع كامل. كان بايو بالغ الدهاء، يبدّد أموال الشركة في الملذّات مع خليلته.
قالت فيرا في نفسها: يبدو أنك تريد أن تلعب معي يا بايو، انتظر وسترى ما سأفعله بك وبخليلتك تلك!
«سأقوم بإلغاء تذاكر السفر للسيّد بايو والسيّدة ميراندا، وكذلك حجز الفندق!» قال السيّد سليمان لفيرا.
«دعها اليوم كما هي يا سيّد سليمان، فهو سيغادر صباح الغد. دعهما يذهبان إلى بالي، لكن ألغِ كلّ شيء بعد وصولهما إلى هناك!» قالت فيرا وعلى شفتيها ابتسامة راضية.
سأجعل منك ومن خليلتك متشرّدَين في جزيرة بالي يا بايو، لن أدعكما تنعمان بأموال عائلتي! قالتها فيرا في سرّها وهي تغلي من الغضب.
«سيّد سليمان، نفّذ جميع أوامري حرفيًّا. وإن تجرّأت على الانحياز إلى بايو، فسأضمن أن تخرج من هنا دون أن تنال فلسًا واحدًا من مستحقّاتك!» هدّدت فيرا السيّد سليمان.
«حاضر يا سيّدة فيرا!» لم يكن أمام السيّد سليمان خيار آخر، فهو يعلم جيّدًا من هو المالك الحقيقي لهذه الشركة.
كان السيّد سليمان يعمل في هذه الشركة قبل زواج بايو وفيرا بزمن طويل، غير أن بايو وميراندا ظلّا يهدّدانه طوال تلك الفترة كي يتستّر على فسادهما. والآن يستطيع السيّد سليمان أن يتنفّس الصعداء، إذ عادت الشركة أخيرًا إلى يد صاحبتها الشرعية.
«اجمع لي جميع أعضاء مجلس الإدارة، سنعقد اجتماعًا الآن فورًا!» أصدرت فيرا أمرًا جديدًا للسيّد سليمان.
«حاضر يا سيّدتي، سأنفّذ ذلك حالًا!» استأذن السيّد سليمان وغادر مكتب فيرا.
بعد خمس دقائق، دخلت فيرا قاعة الاجتماعات. كان جميع كبار مسؤولي الشركة قد اجتمعوا هناك. توجّهت فيرا مباشرة نحو الكرسي الذي اعتاد بايو الجلوس عليه أثناء الاجتماعات.
«مساء الخير جميعًا!» وبلا مقدّمات، شرعت فيرا في افتتاح الاجتماع.
«مساء الخير يا سيّدتي!» أجاب الحاضرون بصوت واحد.
«اجتمعنا اليوم هنا لأنّ هناك أمرًا بالغ الأهمية أودّ إبلاغكم به! اعتبارًا من هذه اللحظة، أنا من سيتولّى إدارة هذه الشركة، وليس السيّد بايو. من لا يرضى بهذا القرار، فليتفضّل بمغادرة هذه القاعة الآن!» قالت فيرا بحزم.
ساد الصمت بين جميع الحاضرين، ولم يجرؤ أحد منهم على مواجهة نظرات فيرا، بمن فيهم أولئك الذين كانوا يدعمون علاقة بايو بميراندا.
«أيّ قرار يتعلّق بهذه الشركة يجب أن يحظى بموافقتي أولًا. وأكرّر، من كان لديه اعتراض فليتقدّم بخطاب استقالته إلى مدير الموارد البشرية!» أكّدت فيرا من جديد.
ظلّت القاعة غارقة في صمت مطبق، فلم يجرؤ أحد على معارضتها، لأنّ كلّ من فيها يعلم أنّ فيرا هي مالكة الشركة، وليس بايو.
«سيّد مدير الموارد البشرية، بعد انتهاء هذا الاجتماع أحضر لي الملف الشخصي للموظّفة المدعوّة ميراندا إلى مكتبي!» أمرت فيرا مدير الموارد البشرية الموجود في القاعة.
«حاضر يا سيّدتي!» أجاب السيّد عادل الذي يشغل منصب مدير الموارد البشرية.
«إن لم يكن لديكم أيّ استفسار، فالاجتماع منتهٍ، وعودوا إلى أعمالكم كالمعتاد!» أصدرت فيرا أمرها الأخير بنبرة حاسمة.
غادرت فيرا قاعة الاجتماعات بخطى واثقة وأناقة لافتة، فرغم أنها ابتعدت عن هذا المكتب أحد عشر عامًا، إلّا أنّ ذلك لم يعنِ قطّ أنها جاهلة بإدارة الشركة؛ فقد ظلّت طوال تلك السنوات تعمل من وراء الكواليس لمساعدة زوجها في صمت.
«عذرًا سيّدة فيرا، هذا هو الملف الذي طلبتِه!» قدّم السيّد عادل ملفًّا إلى فيرا.
«شكرًا لك يا سيّد عادل!» تناولت فيرا الملف وبدأت تقرؤه، فوجدت فيه أنّ ميراندا حاصلة على دبلوم إدارة مكاتب.
إذن تلك المرأة فعلًا خرّيجة إدارة مكاتب، لكنّها للأسف أخطأت الطريق حين تطفّلت على بيتي! قالتها فيرا في سرّها.
«من الذي رشّح ميراندا لتكون سكرتيرة السيّد بايو؟» سألت فيرا السيّد عادل.
«السيّد بايو بنفسه يا سيّدتي، هو الذي أحضر ملفّها بعد أن استقالت سكرتيرته السابقة إثر وضعها لمولودها!» أوضح السيّد عادل.
«حسنًا يا سيّد عادل، شكرًا جزيلًا. يمكنك الانصراف الآن!» قالت فيرا.
«حاضر يا سيّدتي، بإذنك!» غادر السيّد عادل مكتب فيرا على الفور.
بعد أن شعرت أنها أمضت في المكتب ما يكفي لهذا اليوم، خرجت فيرا لتتولّى أمرًا آخر لا يقلّ أهمية، أمرًا سيكون مفاجأة مدوّية لبايو وميراندا.
توجّهت فيرا إلى مكتب المبيعات العقارية حيث اشترى بايو منزلًا لميراندا، فسدّدت كامل المبلغ المتبقّي وحوّلت سند الملكية إلى اسم والدتها، حتى لا يتمكّن بايو من فعل أيّ شيء لاسترداد ذلك المنزل.
«سنرى يا بايو، سأجاريك في لعبتك. سأقدّم لك ولخليلتك هديّة زفاف أيضًا، أتظنّان أنّكما تستطيعان التنعّم بما هو ملكي؟ لن أسمح بذلك أبدًا!» همهمت فيرا وهي تبتسم.
لمزيد من التشغيل واللعب ، يرجى تنزيل تطبيق MangaToon