بِرَحْمَتِهِ
اسمي أناستازيا لينكولن.
عمري ٢٣ عامًا، وأنا مخطوبة لرينيه روستن، الرجل الذي شاركتُ معه السنوات الخمس الأخيرة من حياتي.
خمسُ سنوات كان يُفترض أن تعني الأمان. اليقين. ذلك الـ«إلى الأبد» الخالي من الشكوك والمتاعب.
ومع ذلك، ثمّة ليالٍ في الآونة الأخيرة أقضيها محدّقةً في السقف، أتساءل إن كنتُ حقًّا أعرف الرجل الذي سأتزوّجه.
أعيش مع أبي، وزوجة أبي، وأختي غير الشقيقة.
ليس بيتًا.
إنّه مكانٌ تعلّمتُ فيه أن أجعل نفسي صغيرة.
ماتت أمّي في اليوم نفسه الذي وُلدتُ فيه. لا أحد يقول ذلك صراحةً، لكنّ غيابها حاضرٌ دائمًا. في النظرات الطويلة.
في حالات الصمت المُحرِجة.
في ذلك الشعور الدائم بأنّني لا أنتمي تمامًا. كأنّني خطأٌ قرّر الجميع أن يتحمّلوه.
اليوم هو حفلة وداع عزوبيّتي.
صديقاتي في العمل نظّمنَ كلّ شيء. بدأتُ العمل في الثامنة عشرة، لا لأنّني كنتُ بحاجة إلى ذلك، بل لأنّ البقاء خارج المنزل صار ضرورة مُلحّة. الشجارات مع أختي غير الشقيقة لا تنتهي أبدًا. وزوجة أبي... هي دائمًا وجدت طريقة لتُذكّرني بأنّني لستُ ابنتها.
لذا تعلّمتُ أن أصمت.
أن أتحمّل.
ألّا أضع أبي في الوسط.
—آنيا، أهلًا يا صغيرتي.
عرفتُ صوته من عند الباب بينما كنتُ أقلّب في خزانة الملابس دون أن أعرف ماذا أرتدي.
—أهلًا بابا —أجبتُ، بابتسامة مُتكلَّفة لم أشعر بها تمامًا.
ظلّ ينظر إليّ في صمت. في الآونة الأخيرة يفعل ذلك كثيرًا. كأنّه يريد أن يقول لي شيئًا ولا يعرف كيف.
—لا أصدّق أنّكِ ستغادرين هذا البيت قريبًا.
مشيتُ نحوه وعانقتُه بقوّة. أقوى من المعتاد.
—سأزوركم كثيرًا —وعدتُه—. لن أختفي.
تنهّد.
—يُسعدني أنّكِ وجدتِ رجلًا طيّبًا.
—رينيه... لطيف جدًّا —قلتُ—. ويحبّني كثيرًا.
في تلك اللحظة ظهرت زوجة أبي خلفه.
—نحن بانتظارك —قالت، بتلك النبرة الباردة التي لا تتغيّر أبدًا.
حاول أبي أن يحافظ على هدوئه.
—آنيا، جئتُ لأخبركِ أنّنا سنخرج للعشاء و...
—حجزتُ لثلاثة أشخاص فقط —قاطعتْه، بابتسامة متوتّرة.
قطّب أبي حاجبيه.
—لا يهمّني. سأدفع لشخص إضافيّ.
استدارت هي منزعجة. أنا تنفّستُ بعمق.
—بابا، لا تقلق. اذهبوا أنتم. زميلاتي سيمررنَ عليّ.
—لكن لا يزال أسبوع على الزفاف...
—أعرف. لكن مع كثرة التحضيرات أردنَ أن يفعلنَها اليوم.
أومأ مستسلمًا.
—احرصي على نفسكِ —قال—. واتّصلي بي إن حدث شيء.
راقبتُهم من النافذة وهم يبتعدون في السيّارة. جزءٌ منّي شعر بالارتياح. وجزءٌ آخر بالذنب.
استحممتُ بهدوء، تاركةً الماء الدافئ ينسكب على ظهري. ارتديتُ فستانًا ورديًّا ضيّقًا يصل إلى الركبتين.
حذاء بنفس اللون.
شعري منسدل، بتموّجات خفيفة.
نظرتُ إلى نفسي في المرآة.
بدوتُ سعيدة.
متوتّرة. وفي أعماقي... خائفة.
اهتزّ الهاتف. إنّه رينيه.
—كيف حال أجمل عروس في العالم؟
—بخير —أجبتُ—. على وشك أن أكون جاهزة للحفلة.
صمت.
—تعرفين أنّ هذا لا يعجبني.
—ساعتان فقط.
—آنيا... هذا لا يليق بفتاة محترمة. أرسلي لي رسائل. طوال الوقت.
ابتسمتُ. في تلك اللحظة فسّرتُ ذلك على أنّه اهتمام.
—حسنًا. أحبّك.
—وأنا أيضًا.
ركبتُ سيّارة أجرة. المكان فندق. صديقاتي استأجرنَ صالة خاصّة.
أضواء. موسيقى. ضحكات. كلّ شيء لفّني بمجرّد أن دخلتُ.
—لآنيا ولمستقبلها مع أكثر العزّاب المرغوبين! —صرخت إحداهنّ.
رفعنا الأنخاب.
امتلأ كأسي مرّة أخرى. ثمّ أخرى.
—الليلة للاستمتاع —قلنَ لي—. ممنوع التفكير.
ثمّ دخل عدّة رجال، شبه عراة. انفجر المكان بالصراخ والقهقهات. اهتزّ هاتفي، لكنّ أحدهنّ انتزعه من يدي.
—ليس اليوم —قلنَ—. اليوم أنتِ حرّة.
شربتُ أكثر ممّا ينبغي.
بدأ الوقت يتلاشى.
ارتفعت حرارة جسدي فجأة. احترقت بشرتي.
ثقل الهواء.
نهضتُ أبحث عن الحمّام، لكنّ الممرّ بدا وكأنّه يتحرّك.
دخلتُ غرفة مفتوحة وتوجّهتُ مباشرة إلى الحمّام. جلستُ. تنفّستُ.
رششتُ وجهي بالماء.
لم يُجدِ نفعًا.
تمازجت الأصوات في الخارج مع الموسيقى. خلعتُ حذائي. ازداد الدوار سوءًا.
خرجتُ، لكنّ غثيانًا أجبرني على العودة. تقيّأتُ. حاولتُ أن أنظّف نفسي. أردتُ أن أطلب المساعدة... لكنّ لساني لم يستجب.
بعد ذلك، أريكة.
ثقلٌ غريب على الجسد.
عقلي يصرخ أن أتحرّك، أن أهرب.
جسدي لا يستجيب.
انسدل الظلام فوقي.
هذا آخر ما أذكره قبل أن ينطفئ كلّ شيء.
*** تم توقيع هذا العمل مع NovelToon، ويُمنع بشدة القرصنة مثل إعادة النشر بدون إذن.***
73تم تحديث
Comments