NovelToon NovelToon

زوجة-المافيا-الثانية

الفصل ١ — البداية

«لا يهمّني ما تقوله أمّك، دوم! جسدي هو رأس مالي. بمجرّد أن أحمل، سينهار عقدي مع فوغ وأسبوع الموضة في باريس. أتريدني أن أصبح ربّة منزل مملّة تفقد قوامها؟» انطلق صوت كلارا حادًّا كخنجر يمزّق سكون المكتب.

وقفت كلارا في وسط الغرفة، لا تزال ترتدي فستانًا حريريًّا بلون الدم القاني يلتفّ حول جسدها الممشوق بإتقان. لم يكن ثمّة أيّ ملمح من ملامح الأمومة فيها، بل طموح متّقد فحسب.

لم يتزحزح دومينيك من كرسيّه الوثير. رشف الويسكي من كأسه البلّوريّة، وعيناه الباردتان كالجليد تحدّقان مباشرة في زوجته.

«خمس سنوات، كلارا. خمس سنوات منحتُكِ فيها المساحة لتطاردي طموحاتكِ. لكنّ أمّي محقّة، إمبراطوريّة بلا وريث ليست سوى مسألة وقت قبل أن تنهار.»

«أوه، إذن بدأتَ الآن تصغي إلى هذيان تلك العجوز؟» ضحكت كلارا بسخرية، ثمّ اقتربت وارتكزت بيديها على مكتب دومينيك. «أمّك لا تريد سوى دمية جديدة تربّيها لتصبح وحشًا مثلك. لستُ مصنع أطفال، دوم!»

طراخ!

ارتطم الكأس في يد دومينيك بالمكتب بعنف. تناثر ما فيه فوق الوثائق المهمّة، لكنّه لم يأبه.

نهض دومينيك واقفًا، فتراجعت كلارا خطوة إلى الوراء بصورة لا إراديّة من الهيبة المتدفّقة من جسد الرجل المهيب.

«لا تذكري أمّي بهذه الطريقة مرّة أخرى أبدًا،» هسّ وهو يلتفّ حول المكتب، يحاصر كلارا حتّى ارتطم ظهرها برفّ الكتب. «تعرفين تمامًا من أنا حين قبلتِ هذا الخاتم. تعرفين أنّ في عالمي، الولاء والنسل هما أغلى عملة. تتمتّعين بامتيازات زوجة دومينيك، تتمتّعين بحماية اسمي، لكنّكِ ترفضين واجبكِ؟»

رفعت كلارا رأسها، تحاول الحفاظ على كبريائها رغم أنّ أنفاسها بدأت تتسارع.

«أنا زوجتك، لستُ خادمتك! مسيرتي المهنيّة في ذروتها، دوم. لقد اختيرتُ للتوّ سفيرة لعلامة تجاريّة عالميّة. أتظنّ أنّني سأرمي كلّ ذلك من أجل غثيان الصباح وبطن منتفخ؟»

«إذن إلى متى يجب أن أنتظر؟» سأل دومينيك، ووجهه لا يبعد سوى سنتيمترات قليلة عن وجه كلارا. «حتّى تغزو التجاعيد وجهكِ ولا تبقى كاميرا واحدة تلتفت إليكِ؟ حينها ربّما يكون رحمكِ قد شاخ عن أن يمنحني ما أحتاج.»

«إذن ابحث عن امرأة أخرى لتفعل ذلك!» صرخت كلارا بإحباط. «استأجر رحمًا، أو نم مع من شئتَ. لا يهمّني، فقط لا تعكّر حياتي!»

حدّق دومينيك في كلارا بنظرة عصيّة على التأويل، مزيج من الازدراء وخيبة الأمل العميقة.

«لقد منحتِني للتوّ إذنًا لن تستطيعي سحبه أبدًا، كلارا،» قال دومينيك بهدوء. هدوء مفرط، وذلك كان أشدّ رعبًا من غضبه.

«ماذا تعني؟»

لم يجب دومينيك. استدار وتناول هاتفه من المكتب. «اخرجي. لديّ اجتماع يجب أن أنهيه.»

«لم ننتهِ من الحديث بعد!»

«قلتُ اخرجي!» زمجر دومينيك.

ارتجفت كلارا، عيناها تلمعان بدموع الغضب، لكنّها كانت تعرف متى تتوقّف قبل أن ينفجر دومينيك حقًّا.

بزمجرة خافتة، خطفت حقيبتها وخرجت من الغرفة، وصفقت الباب بقوّة ارتجّ لها ما في العظام.

زفر دومينيك زفرة طويلة، وأمرّ يده على وجهه بخشونة. لم يكن يتصوّر أنّ زواجًا ظنّه في البداية تحالفًا متينًا سيغدو عبئًا يخنق الأنفاس.

شرد ذهنه إلى أمّه التي اتّصلت به عصر ذلك اليوم مجدّدًا، تبكي وتتوسّل إليه أن يمنحها حفيدًا قبل أن تتدهور صحّتها أكثر.

طق! طق!

قطع طرقٌ على الباب شرود ذهنه.

«ادخل،» أمر دومينيك.

دلف ماركو، ذراعه اليمنى ورجل ثقته، بملامح جادّة. كان يحمل ملفًّا رقيقًا.

«سيّدي، ثمّة مشكلة في النادي الليليّ التابع لعائلة الآنسة كلارا،» أفاد ماركو بإيجاز.

رفع دومينيك حاجبًا واحدًا. نادرًا ما كان يتعامل مع عائلة زوجته من أبيها، تلك العائلة التي يعدّها طفيليّات. «وما شأني أنا؟»

«يحاولون الإيقاع بشخص ما لتغطية ديون الكازينو المتراكمة عليهم. شخص يبدو أنّ له قيمة عالية في السوق السوداء. اسمها الآنسة كيلا.»

صمت دومينيك لحظة. كان الاسم غريبًا عليه، لكنّ غريزته استُثيرت. «كيلا؟ من تكون؟»

«أخت الآنسة كلارا غير الشقيقة. تلك التي أخفوها طوال هذا الوقت في الجزء الخلفيّ من المنزل.»

أسند دومينيك ظهره إلى الكرسيّ، ثمّ أشعل سيجارًا. «أرسل رجالًا إلى هناك. سئمتُ من مسرحيّة كلارا الليلة. ربّما تكون مشاهدة الفوضى في عائلتها تسلية لطيفة بالنسبة لي.»

«حاضر، سيّدي.»

لم يكن دومينيك يدري أنّ قراره بمشاهدة تلك الفوضى سيقوده إلى لقاء فتاة ستقلب جميع خططه رأسًا على عقب.

*

*

«أرجوكِ، أمّي... أتوسّل إليكِ، لا تفعلي هذا. سأعمل أيّ شيء، أغسل الصحون، أنظّف النادي كلّ يوم، أرجوكِ لا تبيعيني!» انفجر بكاء الفتاة مُمزّقًا يعتصر الصدور.

جثت على الأرض، تقبض بأصابعها على طرف الفستان الأحمر القصير الذي أُرغمت على ارتدائه.

كان الفستان مكشوفًا أكثر ممّا ينبغي، يعرض بشرتها الصافية التي ترتجف الآن ارتجافًا عنيفًا.

سيسكا، زوجة أبيها، لم تفعل سوى أن رشفت سيجارتها الرفيعة بين أصابعها وهي تحدّق في كيلا بنظرة اشمئزاز.

«تعملين ماذا؟ راتب غسل الصحون لن يكفي لسداد ديون الكازينو المتراكمة على عائلتكِ، كيلا. جسدكِ هو رأس المال، الشيء الوحيد الثمين الذي تملكينه.»

«أبي... أبي، أنقذ كيلا...» تحوّلت عينا كيلا المنتفختان من البكاء نحو رجل في منتصف العمر يقف جامدًا في زاوية الغرفة.

ذلك الرجل، أبوها بلحمه ودمه، لم يفعل سوى أن أطرق رأسه عميقًا. قبض يديه، لكنّ شفتيه ظلّتا مطبقتين بإحكام. لم يجرؤ على النظر في عينَي ابنته.

«لا تعلّقي أملكِ على أبيكِ. لقد وافق بالفعل،» قاطعتها سيسكا ببرود. ثمّ أشارت إلى رجلين ضخمَي البنية خلفها. «أمسكاها!»

«لا! أتوسّل إليكم!» تلوّت كيلا مقاومةً، لكنّ ذراعيها قُبض عليهما بقوّة حتّى احمرّتا.

اقتربت سيسكا، تحمل كأسًا فيه سائل شفّاف تفوح منه رائحة كحول نفّاذة. في داخله، كانت حبّة صغيرة قد ذابت تمامًا.

«اشربي هذا. حتّى لا تكوني متوتّرة أكثر من اللازم حين تخدمين ضيفنا المميّز لاحقًا،» قالت سيسكا بابتسامة شيطانيّة.

«لا أريد... أرجوكم، لا... هكس... أتوسّل إليكم...» هزّت كيلا رأسها بعنف، ودموعها تغرق وجنتيها.

«افتحوا فمها!» صاحت سيسكا.

جذب أحد الرجلين شعر كيلا إلى الخلف، أجبر وجهها على الارتفاع بينما ضغط الآخر على فكّيها حتّى انفتحا.

حوصرت كيلا، أنفاسها متقطّعة من رعب لا يُحتمل.

«ابلعي أو سأتكفّل بأن تتعفّن عائلتكِ في السجن هذه الليلة بعينها!» هدّدت سيسكا على بُعد أصابع من وجه كيلا.

أُجبر السائل المرّ الحارق على المرور في حلق كيلا. انفجرت في نوبة سعال عنيفة حين بدأت حرارة لاذعة تسري من حنجرتها نحو معدتها.

«أحسنت. الآن أقفلوا عليها في الغرفة ٤٠٤. الضيف سيصل بعد قليل،» أمرت سيسكا بلا أدنى شعور.

بدأ وعي كيلا يتلاشى. حرارة غير طبيعيّة أخذت تلتهم صدرها، تجعل قلبها يخفق بجنون.

«كلّكم أشرار...» نشجت كيلا حين أُغلق باب الغرفة بإحكام، تاركًا إيّاها وحيدة.

الفصل ٢ — أما زالت عذراء؟

«سيّدي، هذه هي الغرفة. رقم ٤٠٤»، قال ماركو وهو ينحني باحترام، ممسكًا بيده بطاقة المفتاح الإلكترونيّة التي تسلّمها للتوّ من موظّف الاستقبال.

وقف دومينيك أمام الباب بوجهٍ جامدٍ وفكٍّ مطبق. «أأنت واثقٌ أنّ هذه هي الطريقة الصحيحة يا ماركو؟ أن نشتري امرأةً من عائلةٍ مجهولة كهذه؟»

هزّ ماركو كتفيه بخفّة. «أنتَ بحاجةٍ إلى متنفّس يا سيّدي. وبصراحة، بعدما سمعتُ الآنسة كلارا تصرخ قبل قليل، أظنّ أنّكَ بحاجةٍ إلى شيءٍ أكثر هدوءًا بكثيرٍ من عارضة أزياء كثيرة الكلام.»

«المرأة تبقى امرأةً يا ماركو. كلّهنّ سواء. لا يُردنَ سوى المال والسُّلطة»، فحّ دومينيك ببرود. انتزع البطاقة من يد ماركو. «انتظر هنا. لا تدع أحدًا يُزعجني، بما في ذلك زوجتي إن اتّصلت.»

«مفهوم يا سيّدي. أتمنّى لكَ ليلةً سعيدة.»

انفتح الباب. خطا دومينيك إلى داخل ظلامٍ لا يبدّده سوى ضوءٍ خافتٍ في زاوية الغرفة.

في البداية، كان ينوي أن يجلس فحسب، يدخّن سيجارةً، ويدع المرأة التي في الداخل تتكوّر في ركنها. فهو لا يكترث بإشباع شهوةٍ عابرة.

غير أنّ أنينًا خافتًا انبعث من فوق السرير فأوقف خطاه.

«حارّ... أنقذوني... أيُّ أحد... الحرارة لا تُطاق...»

اقترب دومينيك. هناك، فوق الملاءة البيضاء التي باتت مبعثرة، تكوّرت فتاةٌ يرتجف جسدها بعنف.

غطّى شعرها الطويل وجهَها، لكنّ بشرة كتفيها المكشوفة بدت محمرّةً ملتهبة، وكأنّ نارًا تضطرم من أعماقها.

«ما الذي بكِ؟» سأل دومينيك.

رفعت الفتاة رأسها. كانت عيناها ذابلتين ومغرورقتين بالدموع من أثر العقار الذي أجبرتها زوجة أبيها على تناوله.

حين وقع بصر كيلا على قامة الرجل الطويل المهيب أمامها، لم تفرّ. وبدلًا من أن يعتريها الخوف، زحفت نحوه، وامتدّت أصابعها الصغيرة لتتشبّث بطرف قميصه الفاخر.

«أرجوك... ساعدني... لم أعد أحتمل...» أنّت كيلا بصوتٍ أجشّ يفيض ألمًا ورغبةً جامحة لا سيطرة عليها.

حدّق فيها دومينيك بنظرة ازدراء. «إذن هذه طريقتكِ في إغواء الزبائن؟ تمثيلُ فتاةٍ تحترق، هم؟»

«لا... هكس... أعطوني شيئًا... أرجوك، رأسي يكاد ينفجر...»

دون سابق إنذار، بدأت يدا كيلا المرتجفتان تسحبان سحّاب فستانها الأحمر. بحركاتٍ خشنة يائسة، نزعت القماش الرقيق حتّى سقط على الأرض، ولم يبقَ على جسدها شيءٌ يسترها.

لم تعبأ كيلا بالخجل؛ كلّ ما أرادته أن يتوقّف ذلك الاحتراق في جلدها.

ابتلع دومينيك ريقه. عيناه اللتان عادةً ما تكونان باردتين كالجليد التقطتا فجأةً شيئًا مختلفًا. حدّق في عينَي كيلا — عينَين صافيتَين رغم ما يُعكّرهما العقار، عينَين تشعّان بحزنٍ عميق وبراءةٍ لم يصادفها قطّ في حياته.

انفجر شيءٌ ما في صدر دومينيك. لم يكن مجرّد شهوة، بل نزعة تملّكٍ وحشيّة.

شرد ذهنه إلى كلارا، المرأة التي طالما صدّته، الأنانيّة، الباردة. والآن، أمامه، فتاةٌ تتوسّل إليه بأكثر الطرق بدائيّةً.

«أنتِ لا تعرفين ما الذي تطلبينه يا صغيرتي»، فحّ دومينيك. قبض على ذقن كيلا وأجبرها على النظر إليه.

«افعل... أيّ شيء... فقط أطفئ هذا الحريق...» همست كيلا بصوتٍ واهن، ودموعها تسقط على إبهام دومينيك.

«عليّ أن أخدمكَ... لتنجوَ عائلتي... أتوسّل إليك...»

حين سمع كلمتَي «أخدمكَ» و«عائلتي»، بلغ غضب دومينيك ذروته. كان يمقت الطريقة التي يعمل بها هذا العالم، ويمقت كيف وجد نفسه فجأةً يشتهي هذه الفتاة بهذا الجنون.

بدفعةٍ واحدة عنيفة، أطاح دومينيك بكيلا على السرير وارتمى فوقها.

أسكت شفتيها بقُبلةٍ وحشيّة. سحق فمها بفمه، يرتشف كلّ ما تبقّى من مذاق الكحول واليأس هناك.

صرخت كيلا داخل تلك القُبلة، وغرزت أصابعها في كتفَيه العريضتين، تبحث عمّا تتشبّث به وسط العاصفة التي تجرفها.

وحين اقتحمها بدفعةٍ واحدة قاسية، ملأت صرخةُ ألمٍ تُمزّق القلب أرجاء الغرفة.

«آآه! يؤلمني... توقّف... أرجوك يؤلمني كثيرًا...» انتحبت كيلا وجسدها يتصلّب. تسرّب دمٌ طازج فوق الملاءة البيضاء.

تجمّد دومينيك. أنفاسه اللاهثة ترتطم بتجويف رقبتها. «أما زلتِ عذراء؟»

طوال حياته، لم يمسس دومينيك امرأةً سوى زوجته. وكان يعرف تمام المعرفة أنّ كلارا لم تمنحه قطّ هديّةً أولى كهذه.

هذه الفتاة هي الثانية في حياته، لكنّها الأولى التي قدّمت له تاجها دون شرطٍ ولا قيد، وإن كان ذلك تحت الإكراه.

«هكس... يؤلمني... لكن لا تتوقّف...» هذت كيلا؛ فقد سلبها العقار آخر ذرّة من رشدها. «أكمِل...»

لم يعد دومينيك قادرًا على كبح نفسه. ذلك الضيق الذي يعتصر كيانه بدا وكأنّه يُقيّد روحه بالسلاسل.

تحرّك بإيقاعٍ يتسارع أكثر فأكثر، يُفرّغ كلّ حنقه على كلارا، وعلى أمّه، وعلى العالم بأسره عبر جسد كيلا الصغير.

صار كلّ أنينٍ ينبعث منها إدمانًا جديدًا له.

شعر بالعطش، عطشٍ مستعر، ولا أحد سوى الفتاة تحته يستطيع أن يرويه.

*

*

في تلك الأثناء، خارج الباب، كان ماركو متّكئًا على الجدار يعبث بهاتفه. وفجأة، اهتزّ الجهاز بعنف.

وظهر اسم كلارا على الشاشة.

تنهّد ماركو تنهيدةً طويلة، ثمّ مرّر إصبعه على زرّ الردّ.

«نعم، الآنسة كلارا؟» قال ماركو بنبرةٍ مصطنعة الأدب.

«ماركو! أين دومينيك؟! لماذا لا يردّ على اتّصالاتي؟ ناوله هاتفه فورًا!» صرخت كلارا بصوتٍ لا يحتاج إلى مكبّر صوت.

أبعد ماركو الهاتف قليلًا عن أذنه وتكشّر. «آخ يا آنسة. السيّد دومينيك الآن... آه، إنّه في اجتماعٍ طارئ. طارئ جدًّا. ولا يمكن إزعاجه.»

«اجتماعٌ في هذه الساعة؟! أعرف أنّه غاضبٌ ممّا حدث، لكن لا يتصرّف كطفل! مُره أن يعود حالًا!»

«أوه، أظنّ أنّ اجتماع هذه الليلة سيستغرق الليلة بأكملها يا آنسة. معذرةً، ثمّة مشكلاتٌ تقنيّة كثيرة تستوجب المعالجة اليدويّة»، أجاب ماركو وهو يكتم ضحكته.

تخيّل وجه كلارا وهي تضع قناع وجهٍ بآلاف الدولارات بينما قلبها يشتعل غيرة.

«ما الذي تقوله يا ماركو؟ أتظنّني حمقاء؟! قل لي أين أنتما!»

«نحن في... آخ، الإشارة ضعيفة جدًّا يا آنسة. خرخرخ... خرخرخ... يبدو أنّني دخلت منطقةً خارج التغطية. إلى اللقاء صباح الغد!»

طق!

أغلق ماركو الخطّ وحظر رقم كلارا على الفور مؤقّتًا. أسند رأسه إلى الجدار، يسمع أصداء أنينٍ خافت تتسلّل من خلف باب الغرفة ٤٠٤.

«مسكينةٌ تلك العارضة»، تمتم ماركو وهو يهزّ رأسه. «ترفض أن يلمسها زوجها، والآن زوجها يتذوّق حلوى أشهى بكثير. صدق من قال: لا تتكبّر إن كنتَ تملك شيئًا ثمينًا، وإلّا استعاره غيرك دون إذن.»

الفصل ٣ — سنتزوّج

فتحت كيلا عينيها، وكان جسدها محطّمًا، كأنّ كلّ عظمة فيه قد كُسرت ثمّ أُعيد لحامها قسرًا.

ألقت نظرة على الملاءة البيضاء التي خلّفت عليها بقعة حمراء جافّة، شاهدٌ صامت على عِرض استبدلته بكومة ديون عائلتها في صالات القمار.

إلى جانبها، كان الرجل لا يزال غارقًا في النوم. ملامحه الحادّة وظلّ الشعر الخفيف على فكّه بدت هادئة للغاية، على نقيض تامّ مع الجنون الذي صنعه الليلة الماضية.

حبست كيلا أنفاسها، وحاولت النهوض ببطء دون أن تُصدر صوتًا.

«يجب أن أرحل. يجب أن تعرف أمّي أنّ المهمّة انتهت. أنا حرّة،» حدّثت نفسها.

لكن ما إن لامست قدمها الأرض، حتّى أوقف حركتها صوتٌ أجشّ ثقيل يحمل بحّة الاستيقاظ.

«إلى أين أنتِ ذاهبة؟»

ارتجفت كيلا، وسحبت الغطاء بحركة لا إرادية لتستر جسدها العاري. التفتت فوجدت الرجل قد أسند رأسه على ذراعه، يحدّق فيها بنظرة ثاقبة.

«أنا... أريد العودة إلى البيت. ألم تنتهِ مهمّتي؟» أجابت كيلا بصوت واهن كاد يتلاشى في حلقها.

شخر دومينيك باستهزاء، واستوى جالسًا تاركًا عضلات صدره المفتولة مكشوفة. «من قال إنّ مهمّتكِ انتهت؟ نظّفي نفسكِ. سأنتظركِ في الأسفل خلال ثلاثين دقيقة.»

قطّبت كيلا حاجبيها في حيرة ممزوجة بالخوف.

«ماذا تعني يا سيّدي؟ لا أريد أيّ علاقة بك بعد الآن. ديون عائلتي سُدّدت، أليس كذلك؟»

كانت كيلا تعرف طباع زوجة أبيها جيّدًا. لو استمرّت في التعامل مع هذا الرجل، فإنّ سيسكا ستواصل ابتزازها بلا هوادة، وتحوّلها إلى بقرة حلوب لا تتوقّف.

كلّ ما أرادته كيلا هو العودة إلى حياتها الطبيعية. الجامعة، والدراسة، ونسيان هذا الكابوس.

وقف دومينيك، واقترب منها بهالة من الترهيب جعلت الأكسجين في الغرفة يكاد ينضب. «سنتزوّج.»

«م-ماذا؟ نتزوّج؟» صرخت كيلا وعيناها مفتوحتان على آخرهما. «هل جُننتَ يا سيّدي؟ لن أتزوّجك! أنا لا أزال في الجامعة، ولديّ مستقبل، و... ولديّ حبيب أيضًا!»

حين سمع كلمة حبيب، ارتفعت زاوية شفة دومينيك مشكّلة ابتسامة ساخرة مليئة بالازدراء.

«حبيب؟ أيّ فتاة لديها حبيب لكنّها تبيع نفسها لرجل غريب مثلي من أجل المال؟» أمسك دومينيك بذقن كيلا وأجبرها على رفع رأسها.

«حبيبكِ ذاك سيُصاب بخيبة أمل مروّعة لو علم بما فعلناه مرارًا وتكرارًا الليلة الماضية، أليس كذلك؟ لن يرضى بأن يلمس ما خلّفتُه وراءي،» أضاف.

خفق!

كاد قلب كيلا يتوقّف عن النبض. طعنتها تلك الكلمات في صميم فؤادها.

صحيح، لو علم حبيبها، لانهار عالمهما. لكنّ الزواج من هذا الغريب؟ ذلك مجرّد دخول إلى عرين أسد آخر.

«كفاكِ اعتراضًا. أكره الانتظار أكثر من أيّ شيء. ادخلي إلى الحمّام فورًا، وإلّا سأجرّكِ إلى هناك بنفسي،» قال دومينيك ببرود، ثمّ بدأ يرتدي ملابسه وكأنّ وجود كيلا هناك مجرّد نسمة عابرة.

بالنسبة لدومينيك، كان مبدؤه في الحياة بسيطًا لكنّه صارم. ربّاه أبوه وأمّه على قانون شرف قاسٍ: إن أتلفتَ شيئًا، فعليك أن تتحمّل المسؤولية.

والليلة الماضية، لم يُتلف فحسب، بل أخذ شيئًا لا يمكن إعادته.

لو علمت أمّه أنّه تخلّى عن فتاة عذراء ضاجعها، لقُطع رأسه حقًّا بموجب تقاليد عائلته الكبرى.

«تبًّا! ما كان ينبغي أن أقع في فخّ هذه الفتاة،» تمتم دومينيك بصوت خافت وهو يدلّك جبينه لحظة خروجه من الغرفة.

لكنّ في أعماقه، لم يستطع أن يُنكر أنّ عبير جسد كيلا وأنينها الليلة الماضية قد صارا إدمانًا بدأ يسمّم عقله.

*

*

خارج الغرفة، وقف ماركو منتصبًا في بذلته المجعّدة قليلًا. عيناه المحمرّتان والهالات السوداء المتدلّية تحتهما كانتا شاهدتين على أنّه لم يغمض جفنه دقيقة واحدة.

«هل انتهيتم يا سيّدي؟ لنعُد الآن قبل أن أسقط مغشيًّا عليّ من نقص الكافيين،» قال ماركو بصوت متهالك.

أخرج دومينيك سيجاره وأشعله بهدوء. «يا أحمق. كان بإمكانك أن تنتظر في غرفة أخرى وتستمتع بالنساء في هذا النادي، بدلًا من الوقوف كتمثال أمام الباب.»

أدار ماركو عينيه بتكاسل. «حسنًا، أنا لا أحبّ التسوّق العشوائيّ يا سيّدي. مبدئي هو الحصرية. حتّى لو أردتُ ذلك، فأريده مع امرأة أحبّها، والأهمّ، امرأة تريدني هي أيضًا، لا امرأة يجب أن أحرس بابها حتّى لا تهرب.»

«اخرس. جهّز الأوراق فحسب. سأتزوّج الفتاة التي في الداخل.»

توقّف دومينيك فجأة فاصطدم ماركو بظهره اصطدامًا عنيفًا.

«آخ! أنفي... مهلًا، ماذا؟ ماذا قلتَ للتوّ؟» رمش ماركو بعينيه الناعستين، ثمّ استيقظ تمامًا من فرط الصدمة. «أنت جادّ في الزواج منها؟ ستجعلها الزوجة الثانية؟ هل لا تزال عاقلًا يا سيّدي؟ ماذا لو علمت الآنسة عارضة الأز... أقصد، زوجتك بهذا الأمر؟ ستحوّل بيتك إلى ساحة الحرب العالمية الثالثة!»

«هي التي أعطتني الإذن بالأمس، أليس كذلك؟ قالت إنّ بإمكاني أن أنام مع من أشاء ما دمتُ لا أزعجها،» أجاب دومينيك بخفّة وهو يواصل خطواته نحو المصعد. «سيكون من المؤسف أن أُضيّع ضوءها الأخضر هباءً.»

«وماذا لو علم والداك؟ الأمر لا يتعلّق بإذن الزوجة، بل بإدخال امرأة غريبة إلى شجرة عائلتكم يا سيّدي!» لحق به ماركو بخطوات متعجّلة.

«أمرهما سأفكّر فيه لاحقًا!» توقّف دومينيك أمام باب المصعد ونظر إلى ماركو بحدّة. «المهمّ الآن أنّ تلك الفتاة يجب أن تحمل نسلي. تملك ما لا تملكه كلارا: الطاعة والعفّة. وهذا يكفي.»

لم يملك ماركو إلّا أن يقف فاغر الفاه. حدّق في ظهر سيّده بمشاعر متضاربة.

دومينيك الذي عُرف بتعبّده لكلارا، بات الآن مستعدًّا للخيانة والمجازفة بكلّ شيء من أجل وريث.

«يا إلهي... عالمي سينتهي حقًّا،» تمتم ماركو وهو يمسح وجهه بيديه. «بعد هذا عليّ أن أجهّز عقد الزواج، ثمّ غدًا ربّما عليّ أن أجهّز أوراق الطلاق، أو الأسوأ أن أجهّز نعشًا لنفسي حين تبدأ الاثنتان بنتف شعر بعضهما أو ربّما بتبادل إطلاق النار. راتب المساعد الشخصيّ لا يوازي هذا العبء النفسيّ أبدًا!»

لم يأبه دومينيك بتمتمات مساعده. كان ذهنه قد انصبّ على أمر واحد فقط: كيلا. الفتاة التي ستصبح ملاذه.

لمزيد من التشغيل واللعب ، يرجى تنزيل تطبيق MangaToon

تحميل PDF للرواية
NovelToon
فتح الباب إلى عالم آخر
لمزيد من التشغيل واللعب ، يرجى تنزيل تطبيق MangaToon