المقدّمة
كانت أُمسياتُ قرية سوكامَجو تحمل السكينةَ لكلّ من فيها، إلّا لأمارا. جلست الفتاة ذات التسعة عشر ربيعًا جاثيةً فوق سرير خشبيّ متهالك، وأصابعها تعتصر حافة قميصها التقليديّ الفضفاض الذي بات يضيق على صدرها أكثر فأكثر. كان ثمّة ألمٌ نابضٌ عميق، كأنّ شيئًا يتدافع داخل جسدها طالبًا الخروج.
منذ شهر مضى، أخذ جسد أمارا يمرّ بتحوّلات غريبة. فرغم أنّها لا تزال عذراء لم يمسسها رجل قطّ، ظلّت غُددها تُفرز حليبًا لا ينقطع. كلّ صباح، كانت تتسلّل في صمت لتبدّل الرِّباط الذي تلفّه حول صدرها بعد أن يبتلّ تمامًا. شعرت بأنّها شذوذ طبيعيّ، سرّ طبّيّ أحكمت إخفاءه خشية أن يُنظَر إليها بعين الريبة في القرية.
غير أنّ ذلك الوجع الجسديّ لم يكن شيئًا أمام ما اعتصر قلبَها حين رأت أمّها سوميّاتي تبكي في المطبخ. فديون والدها الراحل قد تراكمت كالجبال، والدائنون باتوا يطرقون الباب بتهديدات غليظة. نقلت أمارا بصرها إلى أخوَيها الصغيرَين — سيكار وبيمو — وهما يتقاسمان صحنًا واحدًا من أرزّ الذرة بلا أيّ إدام. تحطّم قلبها وهي ترقب ذلك المشهد.
«أمّي، سأسافر إلى جاكرتا غدًا.»
نطقتها بصوت مرتجف لكنّه حازم. كانت تعلم أنّ جمالها الفطريّ وجسدها الناضج قد يكونان عبئًا عليها في القرية، لكنّها في المدينة الكبرى رجت أن يصيرا سبيلًا إلى رزق كريم.
⁂
بدت الرحلة إلى العاصمة كأنّها كابوس لا ينتهي. جلست أمارا في الحافلة الاقتصادية المكتظّة تحتضن حقيبتها بذراعَين مرتعشتَين. طوال الطريق لم تفعل سوى التحديق من النافذة، تراقب حقول الأرزّ الخضراء وهي تتحوّل إلى صفوف من المصانع، ثمّ تستحيل أخيرًا إلى ناطحات سحاب متعالية. استقبلتها جاكرتا بلفحة حرّ خانقة وضجيج يكتم الأنفاس.
حين وقفت أمام القصر الفخم في الحيّ الراقي، أحسّت بأنّها متناهية الصِّغَر. كان البناء هائلًا، كأنّه قادر على ابتلاعها بأكملها. هناك التقت آرلان آديتاما — رجل يملك كلّ شيء إلّا السعادة. كان آرلان جليديّ الطبع، بنظرات صارمة كالفولاذ وقلب تحجّر منذ أن هجرته زوجته من أجل رجل آخر.
في ذلك المنزل الفاخر، كان الجوّ خانقًا بالكآبة. بكاء الرضيع ذي الأشهر الثلاثة — كينزو — يتردّد صداه في كلّ زاوية من الأروقة. كان الصغير البائس ضحيّة خيانة أمّه نفسها. رفض كينزو كلّ أنواع الحليب الصناعيّ التي قُدِّمت إليه؛ كان يتوق إلى دفء بشريّ حقيقيّ، لا برودة زجاجة بلاستيكية عقيمة. وآرلان، الذي أنهكه عجزه أمام معاناة ابنه، كاد يفقد صوابه.
⁂
حين خطت أمارا لأوّل مرّة داخل غرفة الرضيع، حدث شيء لم تتوقّعه. خفق صدرها بعنف. رائحة الطفل المميّزة أطلقت في جسدها موجة هرمونية جارفة. أحسّت بثدييها يمتلئان ويثقلان، كأنّ جسدها تعرّف على حاجة ذلك الرضيع بغريزة بدائية. انبثق رابط فطريّ مباغت بين فتاة عذراء من أعماق الريف ورضيع يتضوّر ظمأً إلى حنان الأمومة.
أدركت أمارا أنّها تقف على حافّة قرار خطير. إن منحت كينزو ما يختزنه جسدها، فربّما أنقذت حياته، لكنّها في المقابل ستتورّط في علاقة شائكة مع آرلان — آرلان المثخن بالجراح، آرلان المشتعل غضبًا، آرلان الذي يحدّق فيها الآن بعينَين مفعمتَين بالارتياب... وبانجذاب لا يعيه هو نفسه.
⁂
الرغبة التي ستنمو بين جدران هذا القصر لن تكون مجرّد تلامس أجساد، بل تصادمُ قطبَين متناقضَين. أمارا هي الحياة المتدفّقة الصافية، وآرلان هو الفراغ المعتم. وسط هذا الترف الصامت، سيغدو السرّ الحلو الذي يسيل من جسد أمارا جسرًا وهاوية في آن واحد بينهما.
ها هي ذي أمارا تقف أمام باب غرفة الرضيع، مستعدّة لمواجهة قدرها. لم تأتِ لتكون مجرّد مربّية تبدّل الحفاضات وتهدهد المهد. جاءت بوصفها ينبوع حياة. جاءت لتروي ظمأ كينزو، ودون أن تدري، ستروي أيضًا الخواء الذي استوطن قلب سيّد هذا المنزل منذ أن تبلّد إحساسه بكلّ شيء.
هذه المقدّمة ليست سوى فاتحة رحلة طويلة — حكاية فتاة بذلت نفسها فداءً لأهلها في القرية، فجرفها التيّار إلى دوّامة من الشهوة في قلب العاصمة. تحت ثريّات قصر آديتاما البلّورية، ستسقط القطرة الأولى قريبًا، وتقلب حياة أمارا وكينزو وآرلان رأسًا على عقب إلى الأبد. ورحلة الظمأ والاشتعال... قد بدأت للتوّ.
الفصل ١ : تذكرة نحو الأمل
كان هواءُ الفجر في قرية سوكامَجو لا يزال يَنفُذ إلى العظام، غير أنّ أمارا كانت قد انهمكت في مطبخهم الصغير ذي الجدران المجدولة من أعواد الخيزران. وبينما تكابد ذلك الضِّيق الذي أخذ يعتصر صدرها — إحساسٌ شادّ صار يزورها كلّ صباح بلا استئذان — راحت تلفّ أرزّ الذرة والسمك المقلي الحارّ في ورق الموز.
«يا بنيّتي، أحقًّا ستذهبين الآن؟»
التفتت أمارا. كانت أمّها، الأمّ سوميّاتي، واقفةً عند عتبة باب المطبخ بعينَين منتفختَين من البكاء. ومن خلفها وقف أخوا أمارا الصغيران: سيكار ذات السنوات السبع، وبيمو الذي لم يُتمّ الخامسة بعد، يفركان أعينهما بأصابعهما الصغيرة إذ كانا قد استيقظا للتوّ.
تكلّفت أمارا ابتسامةً رغم أنّ قلبها كان يُعصَر عصرًا. «أمّي، إن لم تذهب أمارا إلى جاكرتا، فمن أين سنوفّر أقساط مدرسة سيكار وبيمو؟ ودَيننا عند ذلك المُرابي لا بدّ أن يُسدَّد عاجلًا، أمّاه.»
«لكنّ جاكرتا بعيدة، يا مارا. لم تتخرّجي من المدرسة إلّا منذ قليل. أشعر أنّني أمٌّ فاشلة حين أُضطرّ إلى التخلّي عنكِ لتعملي خادمةً هناك،» نشجت سوميّاتي وهي تمسح بكفّها على كتف ابنتها التي بدت متماسكةً من الخارج وهي في حقيقتها هشّة من الداخل.
«الآنسة مارا ستذهب؟» ركض بيمو بخطواته القصيرة وعانق ساق أمارا. «أختي لا تذهبي... مَن سيرافق بيمو ليصطاد الجنادب؟»
جثت أمارا على ركبتَيها حتّى صار وجهها بمحاذاة وجه أخيها الصغير، ومرّرت أصابعها على خدّه المستدير. «بيمو ولد ذكيّ، أليس كذلك؟ أختكَ ستغيب قليلًا لتجمع بعض المال حتّى يستطيع بيمو شراء حقيبة جديدة وحليب لذيذ. وحين تعود أختكَ ستحمل لك لعبة كبيرة.»
«حقًّا يا أختي؟» سأل بيمو بعينَين تتوهّجان. أومأت أمارا برأسها بثبات، رغم أنّ حلقها كان مسدودًا بغصّة لا تُبلَع.
أمّا سيكار، التي كانت أنضجَ من سنواتها بكثير، فلم تنبس بكلمة. اقتربت من أختها وهمست في أذنها: «أختي... هل ابتلّ ثوبكِ مرّة أخرى؟»
ارتجفت أمارا من المفاجأة. سارعت إلى سحب وشاحها لتسدله فوق صدرها. كان ذلك الرشح قد عاد من جديد. «شششش... لا شيء يا سيكار. إنّه مجرّد... عرقٍ خفيف.»
«ليس عَرَقًا يا أختي. رائحته حلوة،» همست سيكار بسذاجة الأطفال.
ضمّت أمارا أخوَيها إلى صدرها بكلّ ما أوتيت من قوّة، ودفنت وجهها بينهما كي لا يريا دموعها تنحدر. هي وحدها كانت تعرف ذلك السرّ الطبّي الغريب الذي يعتري جسدها. قرأت ذات مرّة في كتاب صحّي في مكتبة المدرسة شيئًا عن فرط في الهرمونات، لكنّها كانت أشدّ خوفًا من أن تبوح لأمّها التي أثقلتها الهموم أصلًا.
«أمارا تَعِدُكِ يا أمّي،» قالت أمارا وهي تنهض، ثمّ انحنت وقبّلت ظهر يد أمّها بتوقير عميق. «كلّ شهر ستُرسل أمارا مالًا. اعتني بصحّتكِ يا أمّي، واعتني بسيكار وبيمو. أمارا ستكون بخير في بيت السيّد آديتاما. قالوا إنّهم أناس طيّبون.»
ناولتها سوميّاتي صُرّةً من القماش فيها زاد الطريق. «هذا لتأكليه في السفر. كوني حذرة يا بنيّتي. صوني عِرضَكِ. في المدن الكبرى ذئابٌ كثيرة في ثياب حُملان.»
أومأت أمارا برأسها، لكنّها حدّثت نفسها في سرّها: «فَلْتأتِ الذئاب، ما دامت عائلتي ستجد ما تأكله.»
بحقيبة ظهر بالية وقلب يتخبّط في صدرها، خطت أمارا خارج بيتها الصغير. لم تلتفت إلى الوراء حين بدأت الحافلة الشعبية تبتعد، لأنّها كانت تعلم أنّها لو التفتت، لن تجد في نفسها القدرة على الرحيل.
لم تكن تدري أنّ ما ينتظرها في جاكرتا ليس مجرّد عمل مربّية لرضيع، بل أن تكون واحةً لرجلٍ جفّ قلبه منذ زمن بعيد.
⁂
سحبت أمارا نفسًا عميقًا حين انفتح باب الحافلة الشعبية في محطّة كاليديريس. استقبلها هجومٌ من رائحة العوادم وضجيج البشر الفوضوي. غير أنّ كلّ ذلك الإرهاق تبخّر حين رفعت بصرها نحو الأفق.
ناطحاتُ سحابٍ شامخة تقف في كبرياء، تخترق سُحب جاكرتا الرقيقة. بدت لأمارا كعمالقة من الزجاج تعكس ضوء شمس الأصيل.
«يا لَلعَجَب... ما أشدّ ارتفاعها!» تمتمت أمارا بصوت خافت وهي تشدّ قبضتها على حزام حقيبتها. كانت عيناها جامدتَين لا تطرفان وهي تحدّق في تلك العظمة التي لم ترَ مثلها قطّ خلف تلال قريتها.
«لا تسرحي في أحلام اليقظة وإلّا نشلوكِ،» فاجأها صوت امرأة مرح.
التفتت أمارا فوجدت امرأة في نحو الأربعين، ترتدي ثيابًا أنيقة لكنّها بسيطة. كانت تلك هي الآنسة لاسمي، قريبتها البعيدة التي وعدتها بفرصة العمل.
«الآنسة لاسمي!» ابتسمت أمارا بارتياح، شاعرةً أنّ لها حامية في غابة الإسمنت هذه.
«هيّا يا مارا. سنأخذ سيّارة أجرة. السيّد آرلان ينتظر. طفله لم يكفّ عن البكاء منذ الصباح،» قالت الآنسة لاسمي وهي تجرّ يد أمارا نحو صفّ السيّارات المتراصّة.
في طريقهما نحو حيّ مينتينغ الراقي، لم تكفّ أمارا عن إلصاق وجهها بزجاج النافذة. سحرتها طوابير السيّارات الفارهة وأضواء المدينة التي بدأت تتوهّج. لكنّ الأجواء صارت جادّة حين شرعت الآنسة لاسمي تُعطيها التعليمات بنبرة خفيضة وحازمة.
«اسمعي جيّدًا يا مارا. العمل في بيت آل آديتاما ليس كالعمل في القرية. راتبكِ كبير، يكفي ويزيد عن أقساط مدرسة سيكار وبيمو كلّ شهر، لكنّ المسؤولية ثقيلة بقدر ذلك.»
أومأت أمارا بسرعة، ووجهها ينطق بالجدّية. «ماذا يجب أن أفعل يا آنسة؟ أمارا ستتعلّم بسرعة.»
«مهمّتكِ الوحيدة: رعاية الرضيع كينزو. لم يبلغ من العمر سوى ثلاثة أشهر، وقد ظلمه القدر حين هجرته أمّه هكذا. لكن تذكّري أمرًا واحدًا،» حدّقت الآنسة لاسمي في عينَي أمارا بنظرة ثاقبة، «لا تسألي أبدًا عن زوجة السيّد آرلان. ذلك الاسم محظور النطق في ذلك البيت. لا تُثيري غضب السيّد.»
«حاضر يا آنسة. أمارا تَعِد بألّا تتجاوز حدودها.»
«ثمّ عن السيّد آرلان نفسه...» تنهّدت الآنسة لاسمي تنهيدة طويلة. «رجل شديد البرود. صارم إلى أبعد الحدود. إن مرّ بكِ، اكتفي بخفض رأسكِ ولا تجرؤي على التحديق في عينَيه إلّا إذا بادركِ هو بالحديث. لا يطيق الضوضاء، ولا يحتمل الإهمال، والأهمّ من ذلك كلّه... لا تمسّي شيئًا في مكتبه مطلقًا.»
ابتلعت أمارا ريقها، وتسلّل التوتّر حتّى أطراف أصابعها. «السيّد آرلان... هل هو حادّ الطباع يا آنسة؟»
«هو مجرّد رجل جريح يا مارا. تحجّر قلبه منذ أن خانته زوجته. آه، وشيء آخر،» أمعنت الآنسة لاسمي النظر في أمارا من رأسها إلى قدمَيها. «السيّد آرلان مهووس بالنظافة. عليكِ أن تكوني مرتّبة وطيّبة الرائحة دائمًا. و... هل أنتِ مستعدّة؟ يجب أن تكوني على أهبة الاستعداد أربعًا وعشرين ساعة، لأنّ الرضيع كينزو يرفض كلّ أنواع الحليب الصناعي. يستحيل تهدئته.»
تحسّست أمارا صدرها الذي كان ينبض بألم خافت. عاد ذلك الرشح الدافئ مجدّدًا، يبلّل قماش ملابسها الداخلية حتّى أحسّت بالرطوبة تتغلغل. «أمارا ستبذل كلّ ما في وسعها يا آنسة. أمارا تحتاج هذا العمل حقًّا من أجل أمّي في القرية.»
توقّفت سيّارة الأجرة أمام بوّابة سوداء شاهقة. حين انزاحت البوّابة الآلية ببطء، انكشف قصر فاخر بطراز أوروبي حديث، يقف في أُبّهة خلف حديقة مشذّبة بعناية بالغة.
«تذكّري ما قلته لكِ يا مارا،» همست الآنسة لاسمي حين ترجّلتا من السيّارة. «لا تتكلّمي إلّا عند الضرورة، واعتبري الرضيع كينزو عالمَكِ الوحيد. أفهمتِ؟»
«فهمت يا آنسة،» أجابت أمارا بصوت خفيض، تحاول أن تُخمد دقّات قلبها المتسارعة.
وحين خطتا عبر الرِّواق الفسيح المرصوف بالرخام اللامع، تناهى إلى أسماعهما من الطابق العلوي بكاء رضيعٍ يمزّق القلب، يمتزج بصوت رجل أجشّ يزمجر في إحباط بالغ:
«لماذا لا يصمت؟! أما فيكم واحد يُحسن التعامل مع رضيع؟!»
ارتعدت أمارا. كان ذلك الصوت ثقيلًا مُفعمًا بالسطوة. ثقلت قدماها كأنّما صُبّ فيهما الرصاص، لكنّها كانت تعلم أنّ خلف ذلك الباب الضخم يتقرّر مصير عائلتها بأكمله.
الفصل ٢
ثَقُلَت خطوات أمارا وهي تصعد الدرج الحلزوني المكسوّ بالسجّاد السميك. وكلّما اقتربت من الطابق العلوي، ازداد صراخ الرضيع وضوحًا — عويل حادّ ممزوج بأصوات أثاث يُزاح بعنف. بدت الآنسة لاسمي التي تسير أمامها مشدودة الأعصاب، تُسوّي زيّها مرّةً تلو الأخرى وكأنّها تتأهّب لدخول ميدان معركة.
«انتظري هنا لحظة،» همست الآنسة لاسمي حين وقفتا أمام باب ضخم من خشب الساج، موصد بإحكام.
طرقت الآنسة لاسمي الباب برفق: «سيّدي... المربّية الجديدة وصلت.»
«ادخلوا!» لم يكن ذلك الصوت ثقيلًا فحسب، بل كان يرتجف بغضب مكتوم.
ما إن انفتح الباب حتّى تسمّرت أمارا في مكانها. كانت غرفة الرضيع فسيحة بلا حدود — ربّما بحجم بيتها بأكمله في القرية — لكنّ الأجواء فيها خانقة ومشحونة. في وسط الغرفة، كان رجل بقميص أسود مُبعثَر الهيئة يخطو جيئةً وذهابًا وهو يحتضن رضيعًا لا يكفّ عن التلوّي والصراخ.
«لا يزال يرفض حتّى لمس الزجاجة يا لاسمي! ثلاثة أنواع من الحليب الصناعي جرّبناها اليوم وحده!» صاح آرلانُ دون أن يلتفت. بدا الإرهاق على وجهه، وارتسمت أخاديد الإحباط واضحةً على جبينه.
سارعت الآنسة لاسمي بالإشارة إلى أمارا لتقترب. تقدّمت أمارا ورأسها مطرق كما أُمرت، غير أنّ عينيها اختلستا نظرةً إلى آرلان عن قرب. كان أطول ممّا تصوّرت بكثير، بفكّ صارم وعبير عطر خشبيّ فاحش الرجولة — ممتزج برائحة حليب أطفال حامضة.
«هذه أمارا، سيّدي. الفتاة التي أخبرتك عنها، من القرية،» قالت الآنسة لاسمي بصوت خفيض.
أوقف آرلانُ خطاه. استدار ومسح أمارا بنظره من قمّة رأسها حتّى أخمص قدميها. كانت نظرته حادّة كالمشرط، وكأنّه يشرّح كلّ سرّ تحمله هذه الفتاة.
«هي؟ لا تزال طفلة،» فحّ آرلان ببرود. «هل تعرف شيئًا عن رعاية الأطفال أصلًا؟ كينزو في أسوأ حالاته الآن، ولا أحتاج إلى هاوية في هذا المكان.»
تجرّأت أمارا ورفعت وجهها قليلًا، لكنّها سرعان ما أعادته إلى الأسفل حين التقت عيناها بعينَي آرلان الداكنتين المخيفتين. «أنا... اعتدت رعاية أخوَيّ الصغيرين منذ نعومة أظفاري، سيّدي. أتوسّل إليك أن تمنحني فرصة.»
«آه!» أطلق آرلان أنينًا حين عاد كينزو — الرضيع بين ذراعيه — إلى البكاء بصوت أعلى وأشدّ حتّى احمرّ وجهه الصغير. بدا آرلان قد نفد صبره تمامًا. ودون مزيد من الكلام، مدّ الرضيع نحو أمارا: «خذيه. أثبتي لي أنّك ذات نفع، وإلّا ستُعادين إلى قريتك الليلة.»
تلقّت أمارا جسد كينزو الضئيل بخفّة وحذر. وما إن لامست بشرة الرضيع ذراعيها حتّى سرت موجة دفء غامرة في جسدها بأسره. خفق صدرها بعنف، وذلك الألم الناجم عن تراكم السائل في ثدييها بدا وكأنّه عثر على «محفّزه» أخيرًا.
والأعجب أنّ كينزو، ما إن استقرّ في حضن أمارا، بدأ يهدأ شيئًا فشيئًا. خفت نشيجه حتّى صار أنينًا رقيقًا. أسند رأسه إلى صدرها، تحديدًا عند النقطة الأشدّ إيلامًا، وراح يُشمشم وكأنّه يتعرّف على رائحة مألوفة.
تسمّر آرلان في مكانه. ضيّق عينيه يراقب كيف أنّ هذا الرضيع — الذي لم يستطع أحد تهدئته — صار فجأةً وديعًا بين يدَي فتاة القرية هذه.
«لماذا هدأ هكذا فجأة؟» سأل آرلان بصوت خفض هذه المرّة، لكنّه لم يفقد نبرته المتوعّدة.
«ربّما... لم يكن السيّد الصغير كينزو يحتاج إلّا إلى حضن دافئ، سيّدي،» أجابت أمارا بتلعثم. كان قلبها يتسارع لا من الخوف وحده، بل لأنّ الرشح في صدرها بات خارجًا عن السيطرة. أحسّت بملابسها الداخلية تبتلّ حتّى تشبّعت.
«لاسمي، اتركينا. دعيها تحاول إطعامه مرّة أخرى أمامي،» أمر آرلان بنبرة لا تقبل النقاش.
رمقت الآنسة لاسمي أمارا بنظرة قلق قبل أن تخرج وتغلق الباب. صارت الغرفة الواسعة تضمّ ثلاثتهم فقط: أمارا، والرضيع الذي أخذ يتلوّى باحثًا عن شيء ما في صدرها، وآرلان الواقف على بعد خطوات قليلة يراقبها وذراعاه متشابكتان فوق صدره.
ابتلعت أمارا ريقها. كانت تعلم أنّ كينزو لا يبحث عن زجاجة الحليب البلاستيكية المُلقاة على الطاولة. كينزو يبحث عن ينبوع الحياة الذي يعذّب جسد أمارا في هذه اللحظة.
⁂
شعرت أمارا بعرق بارد يسيل على صدغيها. بدأ كينزو في حضنها يتصرّف بعدوانية أكبر؛ أصابعه الصغيرة تقبض على قميص أمارا تحديدًا عند صدرها المشدود، بينما رأسه يتحرّك بجنون، يشمشم باحثًا عن مصدر تلك الرائحة الحلوة التي تسكر حواسّه.
لم يعد الألم في صدر أمارا يُحتمل. كانت تعلم أنّها إن لم تُفرغ حليبها قريبًا، فلن ينفجر كينزو في البكاء وحده، بل سيغرق ثوبها أيضًا بالرشح الذي لم يعد يُمكن كبحه.
«سيّدي... عفوًا،» ارتعش صوت أمارا، وتراجعت خطوة إلى الوراء. «هل يمكن... هل يمكن أن أطلب من سيّدي الخروج لدقائق معدودة؟ أودّ أن أحاول تهدئة السيّد الصغير كينزو وحدي. ربّما يحتاج إلى جوّ أكثر هدوءًا بعيدًا عن أيّ أحد.»
تقلّصت حاجبا آرلان في الحال. ضاقت عيناه الحادّتان وهو يحدّق في أمارا بنظرة كأنّها تخترق قلبها.
«أتطردينني من غرفة ابني؟» سأل آرلان بنبرة هابطة شديدة الترهيب.
«لا أعني ذلك، سيّدي... فقط أظنّ أنّ السيّد الصغير كينزو يشعر بالتوتّر لأنّ الأجواء هنا... متصلّبة،» حاولت أمارا التماس عذر، بينما ذراعاها تضمّان كينزو بإحكام متزايد وهو يُطلق أنينًا محبطًا.
تقدّم آرلان خطوة، فضيّق المسافة بينهما. استنشقت أمارا عبيره المذكّر القويّ الذي — لسبب لا تفهمه — جعل هرموناتها تنفلت من كلّ عقال.
«اسمعي يا فتاة القرية،» قال آرلان، وصوته الآن أمام وجهها مباشرة. «لم أعرفكِ إلّا منذ عشر دقائق. أنتِ غريبة عنّي تمامًا. أتظنّين أنّني سأتركك وحدك مع ابني دون إشرافي؟ لا تحلمي بذلك.»
«لكن سيّدي، السيّد الصغير كينزو يحتاج حقًّا إلى الهدوء. أعدك ألّا أفعل أيّ شيء مريب،» توسّلت أمارا بصوت يكاد يكون استعطافًا. كان الرضيع قد أخذ يسحب ياقة قميصها بفمه المفتوح، يبحث ويبحث.
«ماذا تنوين فعله بالضبط حتّى لا تريدينني أن أرى؟» سأل آرلان بارتياب. انزلقت عيناه إلى الأسفل، فلاحظ يد أمارا التي تضغط على صدرها باستمرار وكأنّها تكبت ألمًا. «لماذا يدكِ هناك؟ أتخفين شيئًا؟»
اشتعل وجه أمارا بحمرة قانية. «لا، سيّدي. أنا... أنا فقط...»
«لا تكذبي عليّ!» زجرها آرلان بصوت خفيض لكنّه نافذ كطعنة. «خذي زجاجة الحليب وأعطيها له الآن. أمامي. أريد أن أرى كيف تعملين.»
«إنّه لا يريد الزجاجة، سيّدي! انظر بنفسك، إنّه يرفضها!» صاحت أمارا بيأس حين عاد كينزو إلى الصراخ لأنّه لم يجد ما يبحث عنه.
كان بكاء كينزو هذه المرّة أشدّ إيلامًا. راح الرضيع يركل بقدميه، وبالمصادفة أصاب مرفقه صدر أمارا المتورّم. أطلقت أنينًا مكتومًا، وتراءت الدموع في زاويتَي عينيها من مزيج الألم الجسدي والضغط النفسي.
«لماذا تبكين؟ أمن توبيخي فحسب؟» بدا آرلان مندهشًا حين رأى دموع الفتاة، غير أنّ كبرياءه ظلّ متعاليًا.
«أرجوك، سيّدي... أتوسّل إليك،» همست أمارا بين نشيجها. «دعني أجرّب طريقتي. أضمن لك أنّ السيّد الصغير كينزو سيسكت في غضون خمس دقائق. وإن لم يسكت، فلك أن تطردني في هذه اللحظة. لكن أرجوك... امنحنا بعض الخصوصية لدقائق فقط.»
صمت آرلان. نظر إلى ابنه الذي يتعذّب، ثمّ إلى الفتاة أمامه التي بدت هي الأخرى تعاني من شيء لا يستوعبه. ثمّة دافع في أعماقه دفعه إلى الصياح مجدّدًا، لكنّ مرأى هشاشة أمارا أثار في قلبه شعورًا غريبًا لم يألفه.
«دقيقتان،» فحّ آرلان أخيرًا وهو يستدير نحو الباب. «سأقف خلف هذا الباب تمامًا. إن سمعت أيّ صوت مريب، سأقتحم الغرفة، وستندمين على اليوم الذي وطئت فيه قدماكِ هذا البيت.»
دَاخ!
انغلق باب الساج بعنف.
أطلقت أمارا زفيرًا مرتجفًا من الارتياح. هرعت إلى قفل الباب من الداخل، رغم يقينها بأنّ آرلان ربّما يراقبها عبر كاميرات المراقبة أو يقف ملتصقًا بالخشب من الجهة الأخرى.
«شِشش... شِشش، حبيبي. سامحْ أختك،» همست أمارا لكينزو.
بأصابع مرتعشة، جلست أمارا على الكرسي الهزّاز في زاوية الغرفة. فكّت أزرار زيّها واحدًا تلو الآخر. وما إن انفرج القماش، حتّى سكت كينزو تمامًا وعيناه المبلّلتان تحدّقان بأمارا في شغف. وحين قرّبته من صدرها، انقضّ بنهم وكأنّه عثر على كنز مفقود.
مْصّ...
أغمضت أمارا عينيها وأسندت رأسها إلى الخلف. ذاك الألم الذي عذّبها تبدّد رويدًا رويدًا، وحلّ محلّه ارتياح غامر لا يوصف. لكن خلف الباب، وقف آرلان جامدًا كالصخر. ذلك السكون المفاجئ داخل الغرفة لم يزده إلّا فضولًا... وخفقانًا في صدره.
لمزيد من التشغيل واللعب ، يرجى تنزيل تطبيق MangaToon