تتضمّن هذه الرواية:
☆ عنفًا جسديًّا ونفسيًّا.
☆ ألفاظًا نابية.
☆ إساءة استخدام المخدّرات والكحول.
ستحتوي بعض الفصول على صور توضيحيّة تساعد على تخيّل الأماكن التي تدور فيها الأحداث.
فيما يلي الشخصيّات الرئيسيّة، وستظهر شخصيّات أخرى مع تقدّم القصة.
ميلاني وليث غرين. يعيشان في إيطاليا برفقة إغناسيو، أعزّ أصدقاء ميلاني. عمرها ثلاثون عامًا وعمر ابنها ثمانية أعوام.
سنتياغو بروس. مالك شركات السيّارات الفاخرة، يعيش في قصر في لوس أنجلوس. عمره اثنان وثلاثون عامًا، وكان في الحادية والعشرين حين تزوّج ميلاني.
روزا بيانكي، عارضة أزياء لعلامات تجاريّة عالميّة، مغرمة بسنتياغو.
إغناسيو مونتيرو، ابن أخ أحد رجال المافيا الإيطاليّة، نبذته عائلته وأُجبر على العيش في مدينة أخرى في إيطاليا بسبب خياراته الشخصيّة. عرّاب ليث وأعزّ أصدقاء ميلاني.
يتساقط الثلج خلف الزجاج بينما أنتظر أن تُعلن مكبّرات الصوت عن موعد صعود الطائرة المتّجهة إلى إيطاليا. في هذه المرحلة أعرف أنّه من المستحيل أن يأتي بحثًا عنّي، بل لأكون صريحة أشكّ كثيرًا في أنّه سيفعل. لا بدّ أنّه قرأ أوراق الطلاق بالفعل، ومن المؤكّد أنّه ذهب للبحث عن عشيقته ليجعلها زوجته الشرعيّة. يؤلمني ذلك، تبًّا ما أشدّ ما يؤلمني في أعماقي، لكنّه الأفضل. لم أعد أريد البقاء داخل زواج لم يكن فيه حبّ من طرفه قطّ. ساذجة وغبيّة، صفتاي الجديدتان المفضّلتان لوصف نفسي.
سأروي لكم قليلًا من حكايتي بينما أنتظر صعود الطائرة. اسمي ميلاني بروس... لا، عذرًا، اسمي ميلاني غرين، لقبي قبل الزواج، عليّ أن أعتاد على سماعه مجدّدًا. حسنًا لنكمل. توفّي والداي حين كنتُ في الخامسة عشرة فصرتُ في رعاية صديقهما المقرّب، إذ كانا من إيطاليا بينما كانت حياتي كلّها في الولايات المتّحدة. ماركوس بروس، ذاك كان اسم وصيّي، رغم أنّه توفّي قبل أكثر من عامين. لكنّه قبل ذلك قرّر تزويجي بابنه كي لا أبقى وحيدة دون سند. حين أفكّر في الأمر الآن أضحك، لأنّني أحببتُ سنتياغو فعلًا، لكنّني كنتُ بالنسبة إليه موتًا بطيئًا. هو يحبّ روزا، تلك العارضة المذهلة التي كانت حبيبته في المراهقة ثمّ تركته لتلحق بأحلامها في أوروبا. في النهاية تزوّجنا وأقسم أنّني حاولتُ بذل أفضل ما لديّ من أجلنا. اليوم أندم. لم يحبّني قطّ، وكلّما سنحت له الفرصة للقائها فعل.
هو مالك شركة سيّارات فاخرة شهيرة، حساباته المصرفيّة تضمّ أكثر من عشرة أصفار ويمتلك عقارات أكثر ممّا عرفتُ. ورغم أنّ ذلك لم يهمّني يومًا، فقد أقنعت حماتي ابنها بأنّ المال هو كلّ ما أريده منه. بإمكاني أن أحكي لكم كم مرّة أذلّني أو أذللتُ نفسي من أجله، لكنّني سأقضي حياتي كلّها أستعيد الماضي. لذا أفضّل أن تعرفوا فقط ما حطّمني نهائيًّا. قبل ثلاثة أيّام كان عيد زواجنا، عامان وأنا أحاول أن أكون أفضل زوجة: أتعلّم أطباقه المفضّلة، أرتدي فساتين فخمة لاجتماعاته مع كبار رجال الأعمال التي كنتُ أكرهها لكنّني كنتُ أتحرّك فيها وكأنّها بيئتي، فقط لأجعله يبدو بمظهر لائق أمامهم، ليرى الجميع المرأة التي إلى جانبه — تلك المرأة التي لم يرها هو يومًا. عامان ذهبا سدًى، لأنّني وحدي كنتُ أحبّه ولم يكن الحبّ متبادلًا قطّ. في ذلك اليوم أعددتُ عشاءً خاصًّا، وضعتُ شموعًا على الطاولة وارتديتُ فستانًا مثيرًا من أجله وحده. كان عليّ أن أخبره بأنّنا سنصبح أبوين. كنتُ أتمنّى بغباء أن يجعله ذلك ينظر إليّ بطريقة مختلفة، لكنّه لم يعد تلك الليلة. بل وصلت إلى هاتفي عدّة صور له مع روزا في مطعم فاخر، وفي غرفة فندق باهظة، والأخيرة له نائمًا بين ذراعيها بعد ما كان بالتأكيد جلسة ممتازة من الجنس. حطّمتني تمامًا. ركضتُ إلى الحمّام وتقيّأتُ كلّ ما في معدتي وبكيتُ لما كان على الأرجح ساعات حتّى غلبني النوم.
صباح اليوم التالي جلب معه قرارًا: أريد الطلاق. سأدعه يكون حرًّا ليعيش مع من يشاء وأرحل إلى إيطاليا حيث يعيش أعزّ أصدقائي، لأبدأ حياتي من جديد سواء بقيتُ وحدي مع طفلي أو وجدتُ شخصًا يقدّرني كما أستحقّ.
سلفتي ماجدة، التي عرفت الحقيقة دائمًا وكانت صديقتي المقرّبة، دبّرت لي أوراق الطلاق بسرعة بشرط وحيد: أن تعرف أين سنكون وألّا أقطع صلتها بابن أخيها. وعدتني ألّا تخبر أخاها بالحقيقة أبدًا وأن تساعدني في كلّ ما أحتاجه.
وتلك هي قصّتي الحزينة، لكنّني أخذتُ معي شيئين بالغي الأهمّيّة: الأوّل طفلي، والثاني ضمير مرتاح بأنّني على الأقلّ حاولت.
«المسافرون المتّجهون إلى ميلانو بإيطاليا يُرجى التوجّه إلى منطقة الصعود.» ارتفع صوت المذيعة عبر مكبّرات الصوت.
أخذتُ حقيبتي وجررتُها خلفي نحو البوّابة التي ستفتح لي طريقًا إلى وجهة جديدة. إغناسيو، صديقي، ابن عائلة مافيا صقليّة طردوه من دائرتهم لأنّه مثليّ الجنس — وفق قولهم هو عار العائلة — لكنّه عرف كيف يحوّل ذلك الرفض إلى شركة تكنولوجيا هي الآن الثانية عالميًّا. دبّر لي وظيفة في إدارة شركته. هو الوحيد إلى جانب ماجدة الذي يعرف وضعي ووعدني ألّا يزعجني أحد أبدًا. الحقيقة أنّ سنتياغو لم يعرف بوجوده قطّ، لأنّه لم يكن يهتمّ بمن أعاشر.
أتساءل: هل عاد سنتياغو إلى البيت بالفعل؟ وإن عاد، هل وجد الملفّ الذي يحوي أوراق الطلاق وصور مغامرته مع روزا المطبوعة؟ هل سيشعر بأيّ ندم على ما فعله بي أم سيفرح بأنّه تخلّص منّي أخيرًا؟ لا يا ميلاني، لا تفكّري في ذلك الآن وامضي قدمًا. كما اتّخذ هو قراره اتّخذتِ أنتِ قراركِ، حتّى وإن كان صدركِ يؤلمكِ وبدأ الهواء ينقطع عنكِ.
«آنسة، هل تسمحين بأوراقكِ؟» صوت المضيفة أنقذني من البكاء كأحمق.
بالتأكيد هو سعيد. ربّما أسكنها في البيت وينامان معًا في ما كان سريرنا الزوجي. ربّما يجهّز حفل زفاف مع أمّه وأنا لستُ سوى ذكرى قبيحة ووسخة. تبًّا، الدموع تتجمّع في عينيّ. عليّ أن أتوقّف عن هذه الأفكار وأركّز علينا وأنساه مهما كان ذلك يؤلمني.
«كلّ شيء على ما يرام آنسة، تفضّلي باتّباع المضيفة إلى مقعدكِ وأتمنّى لكِ رحلة ممتازة.» أومأتُ برأسي لأنّني لا أملك قوّة لفتح فمي.
التفتُّ إلى الخلف للمرّة الأخيرة بينما أفكّر: «الليلة أحرّركَ من هذا الزواج الخالي من الحبّ وأتمنّى لك كلّ السعادة مع تلك المرأة التي لم تستطع نسيانها يومًا. أحمل في أحشائي الهديّة التي كنتُ سأبوح بها لك في عيد زواجنا. أرجو أن تحبّك هي بقدر ما أحببتُك أو أكثر.» آخر دمعة سأذرفها من أجله تنحدر ببطء على خدّي.
حان وقت حياة جديدة لن يكون فيها لقب بروس معي إلّا بوجود ماجدة إلى جانبي.
«طوبى لعينين ترياكِ يا أمّي.» استقبلني صوت ابني حين نزلتُ إلى غرفة الطعام لتناول الفطور. لا يصدَّق كم كبر في هذه المدّة، واقتراب عيد ميلاده الثامن يجعلني متوتّرة.
«آه، لكنّ ابن أختي وسيم جدًّا، أم تراه يحاول مجاملة أمّه ليحصل على هديّة خاصّة؟» كانت ماجدة في المطبخ تُنهي إعداد الفطائر المحلّاة للفطور.
«لا أعرف كيف تظنّين ذلك يا خالتي، يا للإهانة!» ردّ متظاهرًا بالانزعاج لكنّه يبتسم.
«أحقًّا يا ليث؟ أتتملّقني مقابل شيء ما؟» سألتُه ضاحكة وأنا أجلس أمامه.
«طبعًا لا يا ماما.» رأيتُه يحمرّ خجلًا. «مجرّد شكر لأنّكِ سمحتِ لي بالاحتفال مع أصدقائي هنا في البيت.» قال ناظرًا إليّ بتلك العينين ذاتهما اللتين ورثهما عن أبيه.
«يا ليث أنتَ تعلم أنّه لا يزعجني أنّك قرّرت إقامة حفلة مبيت هنا مع أصدقائك. لا تحتاج إلى المجاملات، لكن إن أردتَ أن تغمرني بالقبلات فلن أعترض.» قفز من كرسيّه واقترب منّي وارتمى بين ذراعيّ تاركًا كثيرًا من القبلات على خدّيّ.
رغم صغر سنّه، ليث ذكيّ جدًّا ومتحفّظ أيضًا. لا يُظهر مشاعره إلّا مع ماجدة وإغناسيو ومعي، أمّا مع بقيّة الناس فيبدو جادًّا ومتحفّظًا. في كثير من تصرّفاته يذكّرني بأبيه، لكن في تصرّفات أخرى هو صورة طبق الأصل منّي.
انتقلت ماجدة للعيش معنا قبل أكثر من أربع سنوات. لم تحكِ لي كلّ شيء وأتخيّل كم يؤلمها مجرّد التذكّر، لكن ممّا قالته لي إنّ سنتياغو حطّم جزءًا من أثاث البيت حين رحلتُ، وحاول بناء علاقة مع روزا لكنّها خانته بعد فترة قصيرة. ولم تجد ماجدة أفضل من أن تضحك في وجهه لأنّه أحمق، فقطع بطاقاتها الائتمانيّة وطردها من عملها بدافع الغضب. اتّصلت بي في اليوم نفسه فطلبتُ منها أن تترك كلّ شيء هناك وتأتي دون أن تخبر أحدًا، فأمّها لم تكترث بها يومًا. لم تتردّد لحظة وبعد ثلاثة أيّام كانت تطرق بابي بثلاث حقائب. صارت تعمل معي في قسم الإدارة، ورغم أنّها فكّرت في شراء بيت، أقنعها ليث بالبقاء معنا لتواصل طهي طعامه وتدليله كما اعتادت.
«اليوم اجتماع مع اليابانيّين، هل تذكّرت سوزان أن تأخذ الملفّات؟» سألتني حين جلست معنا للفطور.
«تعرف أنّ كلّ شيء يجب أن يكون مرتّبًا. إن أخطأت في ذلك فلتعتبر نفسها مطرودة. إغناسيو لن يتسامح مع خطأ آخر، تذكّري أنّها أخطأت مرّتين من قبل.» قلتُ وأنا أحتسي قهوتي.
«لماذا سيطردها خالي؟» سأل ليث قبل أن يقضم قطعة من فطيرته.
«ربّما لأنّها قبل أسبوعين صاغت عقدًا بشكل خاطئ وكدنا نخسر صفقة اندماج بملايين لولا أنّ أمّك صحّحت كلّ شيء وأنقذت الحساب. أو لأنّها أعدّت شرائح عرض سيّئة لاجتماع وكادت تُحرج الشركة لولا أنّ إغناسيو تدارك الأمر.» هزّت كتفيها بينما كان ليث يوسّع عينيه أكثر فأكثر.
«ألا تعرف العمل؟» سأل مندهشًا.
«تتعالى لأنّها أخت أحد أعضاء مجلس الإدارة. تُخطئ ثمّ تلقي اللوم على الآخرين، لكنّ أخاها لا يريدها سكرتيرة له لأنّه يعرف مدى عجزها، فأرسلها إلى قسمنا.» أوضحت وهي تُنهي كوبها.
«بصراحة، أظنّ أنّ إغناسيو لا يطردها بسبب صداقته مع ليو.» قلتُ وأنا أنهي فطوري.
«لكنّ الأعمال أهمّ من الصداقات، خاصّة حين يبدأ كلّ شيء بالانهيار بسبب شخص واحد.» كانت تلك كلمات ابني التي تدهشني بالنسبة لسنّه الصغيرة، لكنّ كلّ كلمة كانت صحيحة.
«إن حدث خطأ اليوم، أشكّ أنّ خالك ستهمّه الصداقة.» قلتُ وأنا آخذ حقيبتي عن الكرسي وأستعدّ للمغادرة. «تذكّري يا ماجدة أنّكِ تدخلين الساعة التاسعة مباشرة إلى الاجتماع.» قبّلتُ كلًّا منهما ومضيتُ إلى سيّارتي.
في الأيّام العاديّة تستغرق الرحلة نحو عشرين دقيقة، لكن بسبب أعمال إصلاح بعض الشوارع واضطراري للالتفاف، كنتُ أخرج أبكر في الأيّام الأخيرة وأترك ماجدة توصل ابني إلى المدرسة.
ركنتُ السيّارة في مكاني المخصّص وتوجّهتُ نحو الأبواب الزجاجيّة الكبيرة لشركة إغناسيو التكنولوجيّة.
«صباح الخير يا يعقوب، كيف حال الأولاد وجوانا؟» كانت تحيّة حارس الأمن جزءًا من الروتين اليوميّ. لطالما أبعد عنّي المتطفّلين فنشأت بيننا صداقة جميلة. أولاده في مدرسة ليث نفسها، وفي الصيف نجتمع إمّا في بيته أو في بيتي للاستمتاع بالمسبح وشواء لذيذ.
«الأولاد بخير، لكنّ جوانا سألت متى ستأتون للعشاء. أظنّها تريد أن تحدّثكِ بشيء وتبحث عن أيّ عذر لرؤيتك أنتِ وماجدة.» قال مبتسمًا.
«حسنًا، يوم السبت نحن فارغون، تعالوا أنتم للعشاء إن شئت.» قلتُ له.
«بالتأكيد، أعرف أنّني سأبقى جليس الأطفال بينما تثرثرن أنتنّ الثلاث في المطبخ.» قهقهته العالية جعلت أكثر من شخص يلتفت إليه.
«حسنًا، السبت الساعة السابعة ننتظركم. ماجدة ستصنع لازانيا بالتأكيد.» قلتُ وأنا أربّت على كتفه.
«سأخبرها وسنكون هناك. سأحضر نبيذًا جيّدًا لكي تستمتعن بانتقاد الرجال بينما أهزم أولادي وابنكِ في سباقات الدرّاجات.» قال متّجهًا إلى مكتبه.
«صباح الخير، أين سنجتمع؟» صوت إغناسيو يرنّ خلفي فأستدير لأراه.
«طبعًا، السبت في بيتي الساعة السابعة، وأنصحك أن تصل في الموعد.» أجبتُه ونحن نمشي إلى المصعد.
«يؤلمني أن تطلبي منّي الالتزام بالمواعيد.» وضع يده على صدره بشكل مسرحيّ فلم أستطع كتم ضحكتي.
«كلّنا نعلم أنّه إذا منحك شابّ ما الفرصة تختفي. وبما أنّني أعرف أنّك تلاحق إلياس، فلا أشكّ أنّك إن تلقّيتَ رسالة منه ستتركنا معلّقين.» زممتُ شفتيّ عارفةً أنّني أعرفه أحيانًا أفضل ممّا يعرف نفسه.
«آه، لقد طعنتِ قلبي يا أختي.» أخفض نظره بابتسامة ماكرة أكّدت ما قلتُه.
«سننتظرك.» قلتُ تاركةً إيّاه وحده في المصعد حين انفتحت الأبواب في طابقي.
لمزيد من التشغيل واللعب ، يرجى تنزيل تطبيق MangaToon