NovelToon NovelToon

هذا الجسد ليس لي

جروحٌ لم يفهمها أحد

كانت فتاةٌ حسناء تغطّ في نومٍ عميقٍ فوق سريرها. غطّى كتابٌ سميكٌ نصفَ وجهها، بينما دلّ تنفّسها المنتظم على مدى استغراقها في سُباتها. تسلّلت أشعة الشمس عبر ستائر الغرفة الكريمية، فراحت ترقص برفقٍ على ملامحها، لكنها لم تكن كافيةً لإيقاظها. وفي زاوية الغرفة، دارت المروحة ببطءٍ تطرد الحرّ العالق في الهواء.

ليارا إلفيرا. بدت الفتاة في غاية السكينة وهي نائمة، حتى بدّد طرقٌ مفاجئٌ على الباب سكونَ الصباح.

طق! طق!

«آآآرا! آرا، استيقظي! الوقت متأخّر! أختكِ ستتأخّر بسببكِ!»

انطلق صوت امرأةٍ من خلف الباب، عالياً ومفعماً بالانزعاج.

قفزت ليارا مذعورةً. انفتحت عيناها نصف فتحة، وتناثر شعرها الطويل في كل اتجاه. سقط الكتاب عن وجهها وارتطم بالأرض تحت السرير. بحركةٍ متكاسلة، التقطته ووضعته على الطاولة الصغيرة بجانب الفراش، ثم نهضت وهي تتثاءب بفمٍ مفتوح.

طقّ!

انفتح باب الغرفة، فظهرت امرأةٌ في منتصف العمر بوجهٍ مليءٍ بالتوبيخ. وضعت يديها على خصرها، وحدّقت في ابنتها الصغرى بنظرة امتعاض.

«أتريدين أن تتأخّر أختكِ مجدّداً بسببكِ؟ هيّا، استعدّي بسرعة!» قالت بنبرةٍ حادّة.

«حسناً يا ماما، قولي لأختي أن تذهب وحدها» تمتمت ليارا بضيقٍ، ثم عادت إلى غرفتها دون اكتراث.

زفرت أنينديا بقوّة، وهي تحدّق في ظهر ابنتها بانزعاج.

«أنتِ فعلاً يا ليارا! ويلكِ إن تباطأتِ في الاستعداد!» صاحت، ثم مضت نحو غرفة الطعام وهي تهزّ رأسها.

بعد دقائق معدودة، كانت ليارا قد استعدّت. استحمّت على عجل، ربطت شعرها كيفما اتفق، دون أيّ لمسة زينة. حشرت الكتب في حقيبتها عشوائياً — بعضها يكاد يخرج من السحّاب — ثم انطلقت خارج الغرفة راكضة.

قبل المغادرة، طالبتها معدتها الخاوية بالفطور. هرولت نحو غرفة الطعام.

«صباح الخير!» هتفت بمرح، رغم أنّ أنفاسها لا تزال متقطّعة.

نظر إليها والداها بلمحةٍ خاطفة دون أيّ ردّ فعلٍ يُذكر. على طاولة الطعام، جلست أختها فيولا ريانايا بأناقةٍ تتناول الخبز والبيض. على عكس ليارا، بدت فيولا مرتّبةً وهادئة؛ شعرها الأسود الطويل مثبّتٌ بعناية، وزيّها المدرسيّ مكويٌّ بلا تجعيدة واحدة، وعطرٌ خفيف يفوح منها.

نظرت ليارا إلى أختها بشيءٍ من الغيرة. لا يفصل بينهما سوى عامٍ واحد، لكنّ الدنيا تعامل فيولا بشكلٍ مختلفٍ تماماً.

«بابا، أوصلني إلى المدرسة أولاً. مدرستي أقرب، وسأتأخّر» طلبت ليارا وهي تسحب كرسيّها.

وضع أبوها، دمار هارديان، الصحيفة جانباً ونظر إلى ابنته الصغرى لحظةً: «هذا خطؤكِ، لِمَ استيقظتِ متأخّرة؟ تعلّمي من أختكِ ولو مرّة.»

تصلّب جسد ليارا بالكامل. صمتت، وراحت تنقل نظرها بين والديها. اعتادت على ذلك. كلماتٌ كهذه سمعتها مراراً. لكنها مع ذلك كانت كسكّينٍ صغيرةٍ تواصل جرحَ قلبها.

كانت تعلم أنّ والديها لا يقصدان الأذى. هما فقط يُفرطان في القلق على فيولا — أختها التي توقّفت عن الدراسة عاماً كاملاً بسبب مرضٍ في الكلى. ومنذ ذلك الحين، بات اهتمام العائلة يدور حول اسمٍ واحدٍ فحسب: فيولا.

حاولت ليارا أن تبتلع تلك المرارة. ابتسمت ابتسامةً باهتة: «حسناً ... لكن لا تنسيا أن تحضرا اليوم. هناك اجتماعٌ لأولياء الأمور.»

مدّت يدها لتأخذ قطعة خبزٍ من الطبق الكبير، لكنّ يد أنينديا صفعتها بسرعة.

صفع!

«ما هذا يا ماما؟!» احتجّت ليارا وهي تفرك يدها متألّمة.

«هذا الخبز مخصّصٌ لأختكِ! لا تأخذيه! خذي من الباقي، لا يزال هناك الكثير» وبّختها أنينديا.

نفخت ليارا خدّيها بامتعاض. أخذت قطعة خبزٍ أخرى وعضّتها دون كلمة. فمها ربّما صمت، لكنّ صدرها اختنق.

«أنتما تحابيان بشكلٍ فاضح، أتعلمان ذلك؟ أنا في مدرسة عادية، بينما أختي فيولا في مدرسةٍ باهظة. غرفتي ضيّقة وغرفتها واسعة. هل أنا ابنتكما حقّاً أم مجرّد لقيطة؟» تمتمت بصوتٍ خافتٍ يمتزج بالمرارة.

حدّقت فيها أنينديا بحدّة: «كفى هراءً. من الطبيعيّ أن تكون أختكِ في مدرسةٍ جيّدة، فهي ذكيّة! لا تُضيّع المال مثلكِ. منذ المرحلة الابتدائية وأنتِ دائماً في المرتبة الأخيرة!»

«ذلك كان قديماً يا ماما! الآن ارتفع ترتيبي!» صاحت ليارا وعيناها تغرورقان.

«آرا» قطع صوتُ فيولا حدّةَ التوتّر. كان رقيقاً لكنه حازم.

نظرتها هدّأت الأجواء، لكنها بدت أيضاً وكأنها تطالب ليارا بالتوقّف عن الجدال. غير أنّ ليارا لم تعد تحتمل. نهضت واقفةً وصوت الكرسيّ يصرّ بحدّة على البلاط. نظر الجميع إليها، لكنّها لم تأبه. أمسكت حقيبتها وخرجت من المنزل.

«ستذهبين إلى المدرسة مشياً؟» سألت فيولا بنبرةٍ مرتفعة بعض الشيء.

«مايك موجود!» أجابت ليارا بسرعةٍ دون أن تلتفت.

التفتت فيولا نحو النافذة. ومن هناك، لمحت شاباً بزيّه المدرسيّ الأبيض والرماديّ ينتظر أمام سور المنزل، مستنداً إلى دراجته النارية بوجهٍ هادئ. حدّقت فيه طويلاً؛ كان في عينيها شيءٌ ما — ربّما غيرة، أو قلق، أو فضولٌ عميق.

«أختكِ تزداد وقاحةً يوماً بعد يوم. المهمّ أن تنتبهي لصداقاتكِ، ولا تنجرّي وراءها» قالت أنينديا لابنتها الكبرى.

لم تنطق فيولا بكلمة. حدّقت في طبق فطورها الذي بَرَد، بينما شرد ذهنها بعيداً. ربّما نحو أختها، وربّما نحو ذلك الشخص المدعوّ مايك الذي يبتعد الآن بليارا عن هذا البيت.

· · · ·

في ذلك اليوم، شعرت ليارا إلفيرا بأنّها أسعد فتاةٍ في الوجود. كانت تقبض بكلتا يديها على بطاقة الدرجات التي سلّمها إيّاها معلّمها للتوّ. في الزاوية اليمنى العلوية من الورقة، كُتب رقم ١ كبير — المرتبة الثانية في صفّها. للمرّة الأولى، نجحت في اختراق صفوف الطلاب المتفوّقين. بل أُعلن أنّها تستحقّ منحةً دراسيةً كاملةً لمواصلة دراستها الجامعية.

كانت خطواتها خفيفةً، تكاد تحلّق. مشت خلف أبيها الذي خرج للتوّ من حديثٍ مع معلّم الفصل. أضاءت شمس العصر وجه ليارا، فبرقت عيناها بالأمل. بخطواتٍ سريعة، لحقت بأبيها.

«بابا، رأيتَ؟ أنا الأولى يا بابا!» هتفت بفرح. «أستطيع إكمال دراستي الجامعية! لن تحتاج لإنفاق الكثير، سأحصل على المنحة الدراسية. أليس كذلك يا بابا؟»

لكنّ خطوات دمار توقّفت فجأة. ثقُل الجوّ دفعةً واحدة. نظر إلى ابنته لحظةً، ثم أطلق زفرةً طويلة.

«الجامعة؟» كان صوته رتيباً لكنه حاسم. «ليارا، أتظنّين أنّ الجامعة مجرّد رسومٍ دراسية فحسب؟ الكتب، والأنشطة، والمصاريف الإضافية، كلّ ذلك يحتاج مالاً. أنا مجرّد موظّفٍ عاديّ. راتبي بالكاد يكفي، وأحياناً نضطرّ للتقتير حتى في الطعام.»

هوت تلك الكلمات على قلب ليارا كمطرقةٍ ثقيلة. تلاشت الابتسامة عن وجهها تدريجياً. ارتعشت عيناها، وانعقد حلقها.

جرحٌ خفيٌّ مزّق صدرها — وكأنّ كلّ السعادة التي نبتت للتوّ سُحقت في لحظة.

«بابا ... لقد اجتهدتُ بكلّ ما أملك من أجل هذا» قالت بصوتٍ واهنٍ يكاد يكون همساً. «كنتُ أذاكر حتى وقتٍ متأخّرٍ من الليل، أنتَ تعلم ذلك. أريد أن أدرس في الجامعة يا بابا. أريد أن أُثبت أنّني أستطيع ...»

حدّق دمار في وجه ابنته طويلاً، قبل أن يقول أخيراً بهدوء: «اسمعي، أجّلي دراستكِ الجامعية. دعي أختكِ تُنهي دراستها أولاً. بعد تخرّجها، يأتي دوركِ. لا أستطيع تحمّل نفقاتكما معاً. وأختكِ لم تحصل على منحة يا آرا.»

انهمرت الدموع التي طالما حبستها. اختنق صدرها، وبدا العالم وكأنه توقّف عن الدوران. كلّ الجهد، كلّ الليالي الساهرة، كلّ الأمل الذي بثّته في هذا الحلم — بات فجأةً هباءً.

«أختي فيولا، أختي فيولا، ودائماً أختي فيولا! دائماً هي!» صرخت ليارا فجأةً، وصدى صوتها يتردّد في ساحة المدرسة الخالية. «ومتى يأتي دوري يا بابا؟! متى؟! أنا دائماً أتنازل، مرّةً تلو الأخرى! منحتموها الغرفة المريحة، وقبلتُ! أنام بمروحةٍ فقط، وقبلتُ أيضاً! أختي فيولا عندها مكيّف ولم أعترض! لكن الآن حتى مستقبلي تضحّون به من أجلها؟! أنا أيضاً ابنتكَ وابنة ماما، أليس كذلك؟!»

تكسّر صوت ليارا، وارتجف جسدها بعنف. بدأ من تبقّى في المدرسة يلتفتون نحوها، لكنّ دمار اكتفى بالنظر إليها بتعبيرٍ يمتزج فيه الانزعاج بالشفقة.

«تصرخين هنا وتفضحيننا، أتعلمين ذلك؟!» زمجر، ثم مشى نحو دراجته النارية المركونة على جانب الطريق.

«بابا! أنا فقط أطلب العدل!» انفجر بكاء ليارا. «تعبتُ كلّ هذا التعب لأحصل على هذه المنحة يا بابا! ذاكرتُ حتى صُدعتُ، حتى لم أعد أنام! فلماذا يجب أن ينهار كلّ ما بنيتُه فقط بسبب أختي فيولا؟!»

توقّف دمار لحظة. ارتفع كتفاه وانخفضا وهو يكبت انفعاله، ثم استدار. كانت عيناه تلمعان بالدموع.

«أختكِ مريضة يا ليارا! أختكِ ليست قويّةً مثلكِ!» صرخ بصوتٍ أجشّ. «منذ ولادتها وهي بكليةٍ واحدة، والآن حتى تلك الكلية مهدّدةٌ بالتلف. لا أعلم إلى متى ستصمد. أنتِ لا تزالين بصحّة، يا آرا. لا يزال أمامكِ وقت، ولا تزالين قادرةً على ملاحقة أحلامكِ لاحقاً! أطلب منكِ فقط أن تتفهّمي، هذه المرّة الوحيدة!»

صمتت ليارا. انهمرت دموعها بغزارة.

انقبضت قبضتاها بشدّة. كانت تعلم أنّ أختها مريضة، تعلم أنّها هشّة. لكن ... هل يعني ذلك أنّها هي لا تستحقّ السعادة؟

«كما تشاء يا بابا ... أنا متعبة. أنا ... متعبة!»

تكسّر صوتها بين نشيجها. استدارت وركضت بعيداً دون أن تلتفت.

«ليارا! إلى أين أنتِ ذاهبة؟!» صرخ دمار، لكنّ الفتاة لم تتوقّف. ابتعدت خطواتها أكثر فأكثر، حتى ابتلعت ريح العصر صوت أبيها.

أطلق دمار زفرةً ثقيلة: «ستعود وحدها لاحقاً» تمتم بهدوءٍ قبل أن يُشغّل محرّك دراجته وينصرف.

في تلك الأثناء، واصلت ليارا الركض بلا وجهة.

بلّلت الدموع وجهها، ولهث نَفَسها. بدأت السماء تتلوّن بالبرتقاليّ إيذاناً بأفول الشفق. لكنّها لم تكترث. كلّ الألم الذي كتمته طوال تلك السنين انفجر دفعةً واحدة.

«لماذا ... لماذا دائماً أختي فيولا؟» نشجت بين دموعها. «لماذا لا يسألني أحدٌ ولو مجرّد سؤال: هل أكلتِ؟ أنا أيضاً أريد أن يُسأل عنّي يا بابا ... يا ماما.»

توقّفت عند حافة جسرٍ صغير، تحدّق في الماء المتموّج تحتها: «هل أنا حقّاً ابنتكما، أم مجرّد طفلةٍ تبنّيتماها؟» همست بصوتٍ ذاب في هبّة الريح. مع أنّها تعلم أنّها تشبه أمّها كثيراً.

بعد بكاءٍ طويل، بدأ جسدها يخور. قرّرت العودة إلى المنزل. لكنّ خطواتها كانت ثقيلة، وعيناها منتفختين، وزيّها المدرسيّ قد تبعثر.

فجأة، شقّ صوتٌ أجشّ السكون: «إلى أين يا جميلة؟»

تجمّدت ليارا. من أمامها، وقف ثلاثة رجالٍ ضخام يسدّون طريقها. وجوههم خشنة، وابتساماتهم تقشعرّ لها الأبدان. تراجعت خطوةً إلى الوراء بشكلٍ عفويّ.

«ماذا تريدون يا إخوان؟» سألت بصوتٍ مرتجف.

زفر أحدهم باحتقار: «قولي لأبيكِ يسدّد دَينه. ستّة أشهر ولم يدفع، أتعلمين؟!»

«دَين؟» قطّبت ليارا حاجبيها. «بابا عليه دَين؟ لا أعلم شيئاً عن هذا.»

قهقه الرجل بخشونة: «قال إنّها لعلاج ابنته. أنتِ ابنته، أليس كذلك؟ وعن قرب ... لستِ سيّئةً أبداً، جميلة.» مدّ يده محاولاً لمس ذقنها.

نفضت ليارا يده بعنف: «لا تلمسني!» صاحت وهي ترتعش.

ضحك الرجال الثلاثة، وتردّد صدى ضحكهم في الشارع المقفر. لا شيء حولهم سوى أرضٍ خالية، ولا أثر لمارّة.

«يا أخي، إذا ما دفع أبوها، نأخذ البنت عوضاً عنه، ما رأيكم؟» قال أحدهم.

علا ضحكهم أكثر فأكثر حتى شحب وجه ليارا. اجتاحها الذعر. أدركت أنّ هذا الموقف لا يُحلّ بالكلام. دون تفكير، استدارت وانطلقت تركض بكلّ ما أوتيت من قوّة.

«الحقوها!» صرخ أحدهم.

تسارعت نبضات قلب ليارا. لهث نَفَسها، لكنّها واصلت الركض عبر زقاقٍ ضيّقٍ يؤدّي إلى مبنىً يبدو قيد الإنشاء. دخلت إليه آملةً أن تجد مخبأً. صعدت السلالم الحديدية على عجلٍ حتى بلغت الطابق الثالث — آخر طابقٍ في ذلك المبنى غير المكتمل.

لكنّ سوء حظّها لم يمهلها؛ لم يكن ثمّة مكانٌ للاختباء. مجرّد غرفةٍ فارغة بجدرانٍ عارية وفجوةٍ كبيرةٍ عند حافة الطابق.

«إلى أين يا جميلة؟ اختيارٌ ذكيّ للمكان.» جاء صوتهم من خلفها.

التفتت ليارا. أنفاسها متقطّعة، وصدغاها يقطران عرقاً. كان الرجال الثلاثة يقتربون أكثر فأكثر. تراجعت ببطءٍ وجسدها يرتعش.

«أرجوكم ... بابا سيدفع حتماً. دعوني أذهب، أتوسّل إليكم ....» تكسّر صوتها بين النشيج.

«ندعكِ تذهبين؟ بعد كلّ هذه المطاردة؟» أجاب أحدهم ضاحكاً. وأضاف آخر: «الأفضل أن تُطيعي بدل أن نُجبركِ.»

واصلت ليارا التراجع. حتى لم يعد خلفها أرضٌ تطؤها.

«آآآآه!» تردّد صراخها في الفضاء. فقد جسدها توازنه وسقطت.

بدا الزمن وكأنه تباطأ، وتسارعت كلّ الذكريات في رأسها. وجه والديها، ضحكة فيولا، كفاحها في الليالي الوحيدة، وحلمها بالتخرّج الذي يتحطّم الآن مع جسدها.

كراك!

سقطت دمعتها الأخيرة مع ارتطام جسدها بالأرض. الألم الذي سرى في أوصالها لم يكن شيئاً أمام الجرح الذي سبقه في قلبها. في الثانية الأخيرة من وعيها، همست بصوتٍ لم يسمعه سوى الريح:

«من أجل أختي ... لماذا أنا التي يجب أن تُضحّي يا بابا؟ مرّةً واحدة فقط ... عاملوني كما تعاملونها» ناجت في سرّها بوهنٍ، قبل أن يبتلعها الظلام.

ـــــــــــــــــــــ

جسدٌ مختلف

فتحَتْ ليارا عينَيها بنَفَسٍ متقطّع، وكأنّ قلبَها انتُزِعَ لتوّه من صدرها. جلسَتْ فجأةً، تُحدّق فيما حولَها بنظراتٍ لا تزال ضبابيّة.

تجعّدَ جبينُها. كان جسدُها مُستلقيًا فوق بساطٍ من العشب الأخضر الناعم يتمايل برفقٍ مع هبّات الريح. عبَقُ الأزهار يملأ الهواء، مُنعِشٌ وعذبٌ، لكنّه غريب. نهضَتْ ببطء، وقلبُها لا يزال يخفق بسرعة، وعيناها تجوبان المشهد الفسيح الممتدّ أمامها. حقولُ زهورٍ تترامى إلى ما لا نهاية، وكأنّ هذا العالم صُنِعَ من ربيعٍ أبديّ.

غير أنّ ثمّة أمرًا واحدًا جعل قلبَها يرتجف — كلّ شيءٍ كان هادئًا أكثر مما ينبغي.

أجملَ من أن يكون حقيقيًّا.

«آرا.»

تناهى ذلك الصوتُ الرقيق من خلفها.

التفتَتْ ليارا بحركةٍ لا إراديّة، وكادت تفغر فاها حين رأت المرأة الواقفة على بُعد خطواتٍ منها. امرأةٌ ترتدي ثوبًا أبيض طويلًا، شعرُها يتلألأ كنور الفجر. بشرتُها شاحبةٌ متوهّجة، وعيناها وادعتان، لكنّ في نظرتها شيئًا لا يمكن تفسيرُه — مزيجٌ من الدفء والحزن.

مشت المرأةُ نحوها ببطء. ابتسامتُها رقيقة، وبحركةٍ ناعمة أطّرَت وجه ليارا بكفّيها. كانت لمستُها حقيقيّةً، دافئة، لكنّها غريبةٌ أيضًا... كأنّها ريحٌ تجسّدَت.

«أريد العودة إلى البيت،» همسَتْ ليارا بصوتٍ مرتعش. كان في عينَيها خوفٌ وُلِدَ من المجهول.

حدّقَت المرأةُ فيها طويلًا. «العودة؟ لم يعد بإمكانكِ العودة يا ليارا.»

تسمّرَت ليارا في مكانها. تقلّصَ حاجباها بحدّة. «لماذا؟ كلّ ما أريده هو العودة!»

انطلقَت تركض بلا اتّجاه، تبحث عن مخرج. لكن أينما حملَتها قدماها، لم ترَ سوى بساط الزهور ذاته، والسماء ذاتها، والنور الذي لا يتبدّل. كأنّها تدور في عالمٍ بلا نهاية.

وحين توقّفَت والتفتَت، كانت المرأةُ واقفةً خلفها من جديد — دون صوت، دون خطوة. لكنّ نظرتَها الآن مختلفة، أعمقُ وأبرد.

«جسدُكِ... لم يعد بوسعكِ أن تسكنيه.»

تجمّدَت ليارا. تردّدَ صوتُ المرأة في رأسها. ثمّ شيئًا فشيئًا، طفَت ذكرياتُها الأخيرة قبل أن تستيقظ هنا — الصراخ، المبنى غير المكتمل، الرعب، وجسدُها الذي هوى في الفراغ.

اتّسعَت عيناها. «أ-أنا... متُّ؟» كان صوتُها بالكاد مسموعًا. أومأَت المرأةُ برأسها ببطء.

«لا! لا يمكنني أن أموت! أنا... أنا لستُ مستعدّة! لا يزال لديّ أحلام! أنا... أنا لم أعرف السعادة بعد!» صرخَتْ ليارا بهستيريا، ممسكةً برأسها. انهمرَت الدموع من عينَيها. تلاحقَ نَفَسُها، وتكسّرَ صوتُها في سكون الهواء.

لكن فجأةً، قبضَت المرأةُ على يدها بإحكام. نظرتُها ثاقبة. «هل تريدين العودة؟»

صمتَت ليارا. تردّدَ ذلك الصوتُ في أذنَيها. العودة؟ راحت أفكارُها تدور حول وجه بابا، وماما، وفيولا. لكنّ طيف الموت الذي عاشَته كان مؤلمًا أكثر مما يُحتمَل. نظرَت إلى بساط الزهور المتلألئ تحت أشعّة الشمس.

«يبدو... أنّ هنا أكثر هدوءًا،» تمتمَتْ بصوتٍ خافت.

ابتسمَت المرأةُ ابتسامةً باهتة. «أمتأكّدةٌ أنّكِ لا تريدين الانتقام؟»

التفتَت ليارا بسرعة. «الانتقام؟» ارتعشَ صوتُها.

حوّلَت المرأةُ ذات الثوب الأبيض نظرَها نحو الأفق البعيد، حيث يتوهّج الذهب. «أنتِ متِّ، بينما هُم لا يزالون يعيشون في سعادة. أستطيع أن أرى... ثمّة أمورٌ كثيرة لم تُتاح لكِ فرصة إنهائها. ستعرفين، حين تعودين.»

«إذا عدتُ... هل أستطيع؟» سألَت ليارا بصوتٍ واهن.

«تستطيعين،» أجابت المرأةُ بنبرةٍ جافّة، «لكن ليس بجسدكِ أنتِ. روحُكِ لا تستطيع العودة إلى جسدكِ. لكن بإمكانكِ... أن تستعيري جسدي.»

وقبل أن تستوعب ليارا تلك الكلمات، شدّت المرأةُ على يدها بقوّة أكبر. انفجرَ بينهما ضوءٌ أبيض ساطع يخطف الأبصار. صرخَت ليارا بأعلى صوتها، وأحسّت بلسعةٍ حارقة كالبرق تخترق قلبَها، ثمّ عاد كلّ شيءٍ إلى الظلام.

· · · ·

طق!

طق!

طق!

«سيّدتي! سيّدتي! استيقظي يا سيّدتي!»

دفعَها ذلك الصوتُ إلى فتح عينَيها بذعر. حدّقَت فيما حولها. كان جسدُها الآن ممدّدًا على أرضيّةٍ باردة، وزجاجة دواءٍ مقبوضة في يدها. قطّبَت حاجبَيها، ثمّ نظرَت إلى ما هو مكتوب على الزجاجة.

«ما هذا الدواء؟» تمتمَت بصوتٍ خافت، ثمّ ألقَت بالزجاجة على الأرض. كان رأسُها ثقيلًا، وجسدُها واهنًا، لكنّ صوت الطَّرق لم يتوقّف. تقدّمَت بخطواتٍ مترنّحة وفتحَت الباب.

كليك!

كانت امرأةٌ في منتصف العمر تقف عند العتبة بوجهٍ مذعور. «هل أنتِ بخير يا سيّدتي؟ منذ الأمس لم تخرجي من الغرفة! خشيتُ أن يكون قد حدث لكِ مكروه!»

«سيّدتي؟» كرّرَت ليارا بهدوء. حدّقَت في المرأة بحيرة. «هل يبدو وجهي بهذا الكِبَر؟» تمتمَت دون أن تدري.

انتقلَت نظراتُها إلى ما حولها — هذا ليس بيتها. الجدران فسيحة، والسقف مرتفع، والأثاث يبدو فاخرًا. كلّ شيءٍ غريبٌ ومُخيف.

«ما هذا الجنون؟ أين أنا؟» همسَتْ.

لكن حين وقعَ بصرُها على المرآة الكبيرة قرب غرفتها، تسمّرَ جسدُها.

الوجه الذي حدّقَ فيها من المرآة لم يكن وجهَها.

«آ-آآه! ما هذا؟!» صرخَتْ ليارا بهستيريا، وركضَت نحو المرآة تلمس خدّها. لكنّ ما أحسّت به لم يكن بشرة فتاةٍ في الثانوية، بل وجه امرأةٍ ناضجة بملامح رقيقة وأنيقة.

ثمّ تذكّرَت ذلك الوجه... وجه المرأة ذات الثوب الأبيض التي قابلَتها لتوّها!

«يا سيّدتي إلفيرا، لماذا تصرخين هكذا؟» سألَت المرأةُ في منتصف العمر، وقد اقتربَت بقلق.

«من أنا؟» سألَت ليارا بعفويّة، وصوتُها يرتجف.

قطّبَت المرأةُ جبينها. «أنتِ السيّدة إلفيرا ليدورا، مَن غيرُكِ؟»

تحجّرَت ليارا في مكانها. تلك الكلمات تردّدَت في رأسها. الاسم يشبه اسمَها العائليّ، وهذا لا معنى له.

«ادخلي الغرفة يا سيّدتي. تبدين شاحبةً جدًّا،» قالت المرأةُ بلطف، وساعدَت ليارا على الدخول والجلوس على حافّة السرير.

حدّقَت ليارا فيها بنظرةٍ فارغة. «ما اسمُكِ يا خالتي؟»

بدَت المرأةُ متردّدة. «أنا نينا يا سيّدتي. هل نسيتِ؟ أنتِ دائمًا توبّخينني حين أُخطئ في الطبخ.» غطّت فمها بسرعة. «آه، عذرًا، لم أقصد أن أقول ذلك، سامحيني يا سيّدتي.»

لم تنطق ليارا بكلمة، بل ظلّت تُحدّق في انعكاسها على مرآة مائدة الزينة. لم تعد هي ذاتها حقًّا. ذلك الوجه ملكٌ لامرأةٍ أخرى، امرأةٍ جميلة ذات نظرةٍ حادّة.

التقطَت بي نينا زجاجة الدواء الملقاة على الأرض. قرأَت ما على الملصق وتمتمَت في سرّها: «هل بسبب هذا المنوّم يا تُرى؟»

«لحظةً يا سيّدتي. سأحضر لكِ كوب شايٍ ساخن.» غادرَت بي نينا، تاركةً ليارا جامدةً في حيرتها الخانقة.

نظرَت ليارا حولها. راحت تبحث عن أيّ دليل، فوجدَت محفظةً جلديّة فوق الطاولة الصغيرة. فتحَتها.

كُتِبَ على بطاقة الهويّة بداخلها:

«إلفيرا ليدورا... ٢٨ عامًا؟» تمتمَت ليارا بصوتٍ خافت.

ثمّ نظرَت إلى الهاتف الموضوع على الطاولة، فأخذَته وحاولَت فتح شاشة القفل.

«واو، هاتف رائع،» قالَت بإعجابٍ خافت، وراحت تحاول تخمين كلمة السرّ. «تاريخ الميلاد؟ ٠١٠١؟ ٠٢١٢؟ تسك! فشلٌ في كلّ مرّة!»

لكنّ عينَيها اتّسعَتا حين رأت التاريخ على الشاشة... ٤ نوفمبر ٢٠٢٤.

«ألفان وأربعة وعشرون؟» وقفَت ليارا مذهولة. قبل هذا، كانت لا تزال في عام ٢٠١٩.

أي أنّها... انتقلَت خمس سنواتٍ إلى الأمام.

«يا إلهي... ما الذي حدث لي؟! مَن تكون إلفيرا هذه؟! كيف صرتُ في جسدها؟! لماذا لا أجد السكينة حتى بعد الموت؟!» صرخَت بإحباط.

ارتعشَت يداها، وتكسّرَ صوتُها. سارَت نحو نافذة الغرفة المفتوحة، وحدّقَت في سماء الليل من خلف النافذة الكبيرة. كان نور القمر يتسلّل عبر الستائر الرقيقة، يُنير وجهَها الجديد الغريب.

ثمّ لمحَت عيناها شيئًا في الأسفل — عصفورًا صغيرًا حبيسًا في قفص. بلا تفكير، انحنَت ليارا.

«أوه، ما الذي جاء بكَ إلى هنا؟» تمتمَت بصوتٍ خافت. شعرَت بوخزةٍ غريبة في صدرها، إحساسٌ بالشفقة. أمالَت جسدَها قليلًا عند حافّة النافذة، محاوِلةً فتح مزلاج القفص.

لكن قبل أن تلمسَه، شقّ صوتٌ عميقٌ جدار الصمت.

«إلفيرا!»

كان الصوتُ جهيرًا وحازمًا. التفتَت ليارا مذعورةً —

ودون أن تقصد، مال جسدُها إلى الأمام.

«آآآه!» صرخَت في هلع، وقد فقدَ جسدُها توازنه. لكن قبل أن تسقط، انتشلَتها يدان قويّتان من خصرها وضمّتاها بإحكامٍ من الخلف.

سكتَت ليارا، ونَفَسُها يتسارع. دقّات قلبها تتلاحق بجنون. التفتَت ببطء. خلفها وقفَ رجلٌ وسيم، فكُّه صارم، وعيناه حادّتان كعينَي صقر. نظرتُه تخترق، مفعمةٌ بالغضب والقلق.

«أنتِ فعلًا تريدين الطلاق يا إلفيرا،» جاء صوتُه ثقيلًا وباردًا، «لكنّ ذلك لا يعني أنّه بإمكانكِ تهديدي بهذه الطريقة!»

تجمّدَت نظرةُ ليارا. الطلاق؟ إلفيرا متزوّجة؟

ارتخى جسدُها، بينما يدقّ قلبُها بعنف. حياتُها الجديدة بدأت للتوّ، ويبدو أنّها أعقدُ بكثير ممّا تصوّرَت.

ماذا أيضًا؟ حدّثَت نفسَها بإحباط.

الاستيلاء على جسد إلفيرا

حدّقت ليارا نحو الرجل الجالس على الأريكة. كانت ساقاه متقاطعتين باسترخاء، وذراعاه ممتدّتان على مسند الظهر بهدوء يفيض — على نحو غريب — بهيبة طاغية. قميصه الأسود مفتوح من الأعلى، يكشف عن لمحة من صدره العريض.

بدا أن نظرات ليارا قد عَلِقت هناك، على تلك الهيئة. ذلك الرجل الوسيم... جعل قلبها يخفق بلا سبب واضح.

لم أشعر بشيء كهذا من قبل... فلماذا لا يكفّ قلبي عن الخفقان؟ أهذا ما يسمّونه الوقوع في الحبّ من النظرة الأولى لزوج امرأة أخرى؟ أم... أنّ هذا شعور صاحبة هذا الجسد؟

«أيّ مخطّط تحيكينه هذه المرّة، هاه؟» اخترق صوته الجهوريّ شرود ليارا، فارتجفت من المفاجأة.

«أيّ مخطّط؟ لقد استيقظتُ للتوّ،» ردّت ليارا بعشوائية، محاولةً إخفاء التوتّر الذي يتسلّل إليها.

قطّب الرجل حاجبيه بعمق. كانت نظرته حادّة، كأنّه يحاول قراءة ما يدور في رأسها. «هل أصاب عقلكِ خلل ما؟»

«لا، أنا بكامل قواي العقلية يا عمّو،» أجابت ليارا عفويًّا.

«عمّو؟» ارتفع حاجبا الرجل عاليًا. «عمّو؟! إلفيرا! ما الذي تدبّرينه هذه المرّة، هاه؟ لا تقولي لي إنّكِ فقدتِ عقلكِ بعد أن استيقظتِ!» ارتفعت نبرته، تنضح بإحباط صريح.

«أيّ مشكلة صنعتِها هذه المرّة؟!»

لم تملك ليارا إلّا الصمت. شدّت على طرف فستانها بقوّة، وتصلّب جسدها بالكامل. لم تكن تعرف حقًّا كيف تواجه هذا الموقف. كلّ شيء يبدو غريبًا — حتى الجسد الذي تسكنه ليس جسدها.

نهض الرجل، وتقدّم بخطوات ثقيلة نحوها. حجب ظلّ قامته الفارعة ضوء المصباح، فشعرت ليارا بأنّها محاصَرة. «لا تدفعيني لمزيد من الغضب يا إل،» همس بصوت خفيض لكنّه حازم، ثقيل وعميق. «سأحقّق لكِ ما تريدين... إن كان هذا ما تبتغينه فعلًا.»

ومن دون أن ينتظر ردًّا، استدار ومضى، تاركًا ليارا جامدة في مكانها. شعرت بضيق يعتصر صدرها من الداخل. لم تدرك ما الذي حدث للتوّ، لكنّ مشاعرها كانت في فوضى عارمة.

هل هذا الرجل حقًّا... زوج إلفيرا؟ بهذه الوسامة... لكنّ كلماته حادّة كالسكاكين، همست في سرّها، تحاول استيعاب هذا الواقع المستحيل.

في تلك الأثناء، دلف ثيودور لورينزو إلى مكتبه الخاصّ. وقف أمام النافذة الكبيرة يحدّق في القمر المعلّق بجمال في سماء الليل. لكنّ ذهنه كان بعيدًا عن السكينة. كان وجهه متوتّرًا، ونظرته باردة تخفي وراءها عاصفة عصيّة على التفسير.

طق! طق!

«ادخل،» قال بإيجاز، دون أن يلتفت.

دخلت امرأة في منتصف العمر بخطوات مترددة. «سيّدي ثيو، وجدتُ هذه الزجاجة مجدّدًا في غرفة السيّدة. لم تخرج من غرفتها منذ ظهيرة الأمس.»

التفت ثيودور ببطء، ورمى مدبّرة المنزل بنظرة ثاقبة. أخذ الزجاجة من يدها وتفحّصها. «حبوب منوّمة،» تمتم بصوت واهن. اشتدّت قبضته عليها. تصلّب فكّه.

«أهذا ما وصلتِ إليه يا إل؟ لن تتوقّفي عن إيذاء نفسكِ حتى أطلّقكِ؟»

زفر زفرة طويلة، ثمّ سار نحو مكتبه. جلس وسحب ورقة من داخل ملفّ. بيدٍ مرتجفة، تناول القلم ووضع توقيعه على تلك الورقة.

غير أنّه ما إن جفّ الحبر على الورق، حتى أحسّ بثقل يجثم على صدره. أغمض عينيه واستنشق نفسًا عميقًا، كأنّه يحاول تهدئة العاصفة التي تعصف في داخله.

«سيّدي،» نادت بي نينا بهدوء، «السيّدة... تبدو غريبة منذ أن استيقظت.»

فتح ثيو عينيه. «غريبة؟ ماذا تقصدين؟»

«نعم، سيّدي. كأنّها فقدت ذاكرتها. عادةً تغضب حين أوقظها، لكنّها اليوم... بدت حائرة، كشخص تائه. هل يمكن أنّها تناولت جرعة زائدة من الحبوب المنوّمة؟»

حدّق ثيو في الزجاجة مجدّدًا، حاجباه مقطّبان بعمق. تائهة؟ تتصرّف بغرابة؟ فكّر في نفسه. «لكنّ هذه ليست من الأعراض الجانبية لهذا الدواء،» تمتم.

.

.

.

.

في صباح اليوم التالي، جمعت ليارا شجاعتها وخرجت من الغرفة. كان المنزل فسيحًا وساكنًا، ونسيم الصباح بارد ومتحفّظ. توجّهت نحو المطبخ حيث كانت بضع نساء في منتصف العمر منهمكات في الطهي.

حين تنحنحت بخفّة، التفتت الثلاث دفعة واحدة، وفي لحظة انقلبت الأجواء إلى فوضى. بدا الذعر عليهنّ، كأنّهنّ يرتعبن من شيء غير مرئيّ.

«عفوًا يا سيّدتي! سيكون الإفطار جاهزًا بعد قليل! سامحينا، تأخّرنا في الاستيقاظ!» قالت إحداهنّ بصوت مرتجف.

ألقت ليارا نظرة على ساعة الحائط. «لم تتجاوز الساعة السابعة صباحًا، فلمَ كلّ هذا الهلع؟ هدّئن من روعكنّ. هل يمكنني المساعدة؟»

«لا!» صحن الثلاث بصوت واحد، فتسمّرت ليارا في مكانها.

«لماذا؟ أنا أُجيد الطبخ،» قالت في حيرة.

تقدّمت بي نينا خطوة إلى الأمام، مطأطئة الرأس في خوف. «أ-آه... سيّدتي، ستتأذّى يداكِ. سنُعدّ كلّ شيء، أعدكِ... خمس دقائق فقط.»

اكتفت ليارا بتنهيدة. ثمّ اقتربت من القِدر فوق الموقد، وتذوّقت مرق الحساء الذي نضج للتوّ. «ينقصه الفلفل الأسود،» تمتمت، ثمّ راحت تُضيف التوابل بعفوية، وأصابعها تتحرّك بخفّة طاهٍ محترف.

وقفت النساء الثلاث مشدوهات يحدّقن فيها. لم تكن إلفيرا يومًا لتمسّ المطبخ، فضلًا عن أن تبتسم هكذا.

«جرّبن هذا،» غرفت ليارا ملعقة من الحساء وقدّمتها لبي نينا. بتردّد، تذوّقت المرأة الحساء، فاتّسعت عيناها على الفور.

«هذا... لذيذ جدًّا!» هتفت في ذهول.

ابتسمت ليارا بارتياح. «أليس كذلك؟ أنا بارعة في الطبخ رغم أنّني لا أزال صغي— أعني... امرأة جميلة مثلي يجب أن تُتقن الطهي!» تداركت كلامها على عجل. ضحكت النساء الثلاث ضحكة خافتة، لأوّل مرّة يرين هذا الجانب اللطيف من سيّدتهنّ.

وفجأة، انسلّ صوت ناعم من ناحية الباب: «بي نيناا... أين حليب إيلا؟ لماذا لم يُحضَل إلى الغُلفة؟»

ظهرت طفلة صغيرة بشعر أشعث، ترتدي بيجامة فضفاضة. سارعت بي نينا إلى تسليمها زجاجة الحليب.

«شكلًا،» قالت الصغيرة. لكنّ خطواتها الصغيرة توقّفت حين لمحت طرف عينها ليارا واقفة في المطبخ. اتّسعت عيناها، وشحب وجهها. التفتت بسرعة تحدّق في ليارا التي كانت تبتسم لها بحنان.

«ماما المُلعِبة وصلَت،» تمتمت مذعورة، ثمّ انطلقت تركض بأقصى ما تستطيع نحو غرفتها. وكادت تصطدم بالباب.

تجمّدت ليارا في مكانها. «المُلعِبة؟ ما معنى ذلك؟» سألت في حيرة. لكنّ النساء الثلاث في المطبخ التزمن الصمت، ووجوههنّ متحجّرة.

قالت ليارا في سرّها وهي تفكّر بعمق: كم كانت إلفيرا هذه شرسة حتى يخافها كلّ من في المنزل؟ ألعلّها... سيكوباتية؟

حدّقت في انعكاس وجهها على سطح الملعقة؛ وجه جميل بنظرة باردة يرتدّ إليها. أم ربّما... ذئبة في هيئة بشرية؟ لكن ليس لها أنياب على كلّ حال.

وفي الخلفية، وقفت النساء الثلاث يحدّقن في حيرة بليارا وهي تتأمّل نفسها في الملعقة وتتحسّس وجهها بحركات غريبة.

_______________________________

لمزيد من التشغيل واللعب ، يرجى تنزيل تطبيق MangaToon

تحميل PDF للرواية
NovelToon
فتح الباب إلى عالم آخر
لمزيد من التشغيل واللعب ، يرجى تنزيل تطبيق MangaToon